مكتب عنبرصرح علمي قديم جدبد

الثلاثاء, ديسمبر 19, 2017 - 03:30

البوصلة

كان هذا البناء ملك لأحد أثرياء اليهود واسمه (يوسف عنبر) شيده وبناه في عام 1867م، وأنفق على بنائه 43 ألف ليرة، ولكن لم يتمكن من إتمامه لأسباب مادية، فوقع مكتب عنبر في مُلك الدولة العثمانية لدين لها على يوسف عنبر.

ومنذ تلك اللحظة أخذ مكتب عنبر يمر بمراحل وعهود تاريخية، نقوم بتقديم خلاصة لهذه العهود متسلسلة كالتالي

1- مكتب عنبر في العهد العثماني:

من يقف أمام الباب الخارجي للمبنى يرى لوحة خارجية حفر عليها:

"مكتب إعدادية ملكية" ويعلوها الطفراء - الطرة - السلطانية للتفريق بين الملكية، والمدارس العسكرية.

المدارس الملكية خاصة بالمدنيين، بينما العسكرية هي التي تؤهل طلابها للالتحاق بالجيش العسكري.

ومكتب عنبر لم يطلق عليه هذا الاسم أبداً، ولكن غلبت عليه هذه التسمية، لأنها سبقت التسمية الرسمية فعرف بمكتب عنبر.

ويقول العالم المؤرخ محمد كرد علي في "خطط الشام": "مكتب عنبر من أهم مدارس الحكومة، وصفوفها تنتهي إلى صف التاسع فقط، وأكثر طلابها عربا من أبناء دمشق، ثم أكملت صفوفها حتى الصف الحادي عشر فأصبح ثانوية كاملة، وسمي عندها: (تسلطان مكتب) أي المدرسة السلطانية، ولكن اللوحة على الواجهة لم تبدل، وبعد فترة أصبحت الصف الثاني عشر الثانوي هو أعلى الصفوف"

2- مكتب عنبر في العهد التركي:

بعد تسلم زعماء الاتحاد والترقي الحكم في استانبول، بدأت سياسة التتريك، وغدت اللغة التركية هي الرسمية، وجُعل جهاز الإدارة والتدريس أجمعه أتراك.

وقال الأستاذ فخري البارودي في مذكراته: كان مكتب عنبر المدرسة الإعدادية الوحيدة في دمشق، يتراوح عدد طلابها مابين الخمسمائة والستمائة، الطلاب النهاريون يتعلمون مجاناً، بينما الليليون أو الداخليون يدفعون أجرة الطعام والنوم، وكان يُدرس الآتي:

القرآن الكريم، العلوم الدينية، الفقه، اللغة العربية، ترجمة اللغة التركية، الفارسية، علم الاقتصاد، علم الجغرافية والفلك، وجغرافية الدولة العثمانية، تاريخ الدولة العثمانية، الحساب الجبر، الزراعة، الرسم، حسن الخط، الكيمياء والفيزياء والميكانيك، علم طبقات الأرض، النباتات الحيوانات.

ويقول البارودي: "إن من تخرج منها أمثال: شكري القوتلي، سعيد الغزي، سعيد حيدر، فوزي الغزي ومظهر رسلان ووصفي رسلان والدكتور صلاح قنبار وأسعد خورشيد وفؤاد الساطي ونسيب البكري وغيرهم"

3- مكتب عنبر في عهد الملك فيصل:

بعد الحرب الأولى، في زمن الملك فيصل بن الشريف حسن، واستلامه الحكم والسلطة، وبدأت المؤسسات بالتعريب والعودة إلى اللغة العربية لتكون الرسمية للبلاد، وكان مكتب عنبر من أول المؤسسات المعربة، فدرس فيها نخبة مختارة من علماء البلد، أمثال: حسن يحيى الصبان، أبو الخير القواس، شكري الشربجي، كامل نصري، محمد البزم، رشيد البقدونس، مسلم عناية، جودة الهاشمي، محمد الداودي، سليم الجندي، وغيرهم..وأُطلق على المكتب اسم "مدرسة التجهيز ودار المعلمين" بدل من سلطاني مكتبي.

4- مكتب عنبر في عهد الانتداب الفرنسي:

منذ أن وقعت الفاجعة في وطء أقدام غورو لمدينة دمشق، مروراً بمعركة ميسلون، ثم نكوص الحلفاء عن وعودهم بالاستقلال، لم يعقد طلاب مكتب عنبر أي هدنة مع المستعمر الفرنسي إلى أن رحل عن الوطن، فقد كانوا يشنون الحروب عليهم في مقاومة مستمرة لهذا العدو الغاصب إلى أن رحل.

وكان أول مدير عربي بعد الحرب العالمية الأولى هو الضابط المتقاعد شريف رمو ثم مصطفى تمر، فجودة الهاشمي، .. وغيرهم.

فكان مكتب عنبر "مدرسة التجهيز ودار للمعلمين" للعلم، وموئل للوطنية، ومصدر الحركات الشعبية منها انطلقت شرارة المشاركة في الثورة السورية الكبرى 1925 م.

5- مكتب عنبر في عهد الاستقلال وما بعده:

اتخذ المكتب لعدة سنوات فيما بعد، مقراً لمعهد التجهيز والفنون النسوية، فقررت الحكومة الاستجابة لطلب وزارة الثقافة بجعل البناء مقراً لقصر الثقافة العربية، فقامت الوزارة بالتعاون مع المحافظة بإجراء بعض الإصلاحات أعادت للبناء رونقه وبهاءه، حيث تم إلغاء المطبخ ومطعم الطلاب الليلي، وحولت القاعة الكبيرة قاعة دروس الكيمياء والفيزياء إلى قاعة محاضرات، وجعل مدخلها من الباحة الأولى.

ثم إقامة تعريشة خشبية ضخمة في الباحة الأولى، لتحمل الأشجار الكثيرة من الكرم وأشجار الزينة، وإعادة ترميم الحمام وفتحه للزوار، فصل الدار التي ألحقت بالمكتب - كانت معدة لصفوف السوابع والثوامن ودار المعلمين وصالة للرسم وملعب للرياضة - وتسليمها لجمعيات خيرية وثقافية، عام 1980 م.

وكان للمحافظة دور كبير لبعث الحياة في مكتب عنبر بإقامة أنشطة وفعاليات تصل الماضي العريق بالحاضر المتألق.

وباختصار فقد كان مكتب عنبر صرح حضاري هام، ومركز تعليمي رائد كان له أثر كبير في النهضة العلمية والثقافية في عهود مظلمة شهدتها البلاد.