القرار الأميركي والموقف المطلوب

شكل القرار الأميركي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل صدمة لمئات الملايين من العرب والمسلمين والمسيحيين، لأنه مثل اعتداء سافراً على حقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس

 

إضاقة إلى أن القرار جاء مخالفاً لقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة التي نصت على أن القدس الشرقية مدينة محتلة ناهيك عن مخالفته لقرار التقسيم رقم ١٨١ الصادر عن منظمة الأمم المتحدة عام ١٩٤٧، على الرغم مما تضمنه من افتئات على حقوق الشعب الفلسطيني.‏

لقد أقدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب على اتخاذ قرار لم يسبقه إليه أحد من الرؤساء الأميركيين، على الرغم من أنهم في أغلبيتهم كانوا قد وعدوا بذلك في حملاتهم الانتخابية بهدف كسب ود اليهود نظراً لنفوذهم في الداخل الأميركي وسطوتهم على مراكز القرار وصناعة الرأي العام، ولعل السؤال الذي يطرح نفسه لماذا كل هذا الاستهتار بالعرب عند صناع القرار في واشنطن على الرغم مما تمتلكه الدول العربية من عناصر ضغط على الأميركي سواء لجهة الاقتصاد أم الأهمية الجيوسياسية للمنطقة العربية في المشهد الدولي.‏

ولا شك أن الإجابة على ذلك تحتاج إلى شرح مطول لجهة تعدد الأسباب التي يأتي في مقدمتها غياب الموقف الموحد من هكذا تحديات وضعف الإرادة السياسية عند أغلب الحكام العرب وارتهانهم للأميركي واعتمادهم على حمايته لبقائهم في السلطة وتقديم مصالحهم ومنافعهم على مصالح الأوطان وكرامتها، وهذا يطرح سؤالاً عريضاً حول شرعية هذه الأنظمة في الأساس نظراً لغياب الإرادة الشعبية في اختيارهم، ما يعني بالمحصلة غياب القرار الوطني المستقل ومصادرته لمصلحة القوى الأجنبية.‏

لقد اعتاد الجمهور العربي سماع لغة التنديد والتهديد وعلو الصراخ في مواجهة القرارات التي تشكل صدمة لمشاعره، ولعل القرار الأميركي باعتبار القدس عاصمة للكيان الصهيوني هو أبرز ما يؤكد تلك الحقيقة المرة، فقد درج أغلب الساسة العرب على سلوك ذات الآلية تجاه قضايا تمس أوطانهم وأمنهم القومي والوطني ومحرماتهم السياسية والوطنية، ولعل أقوى ما يمكن أن يذهبوا إليه للرد على تحديات أو مواقف كهذه هو الدعوة لانعقاد اجتماع (طارئ) للجامعة العربية وفي أحسن الأحوال قمة تحضر على عجل تخرج ببيان تندد فيه بما جرى وتتوعد باتخاذ إجراءات بمواجهته، وهذا كله في لغة السياسة والمصالح لا معنى له لعلة غياب الأثر الفاعل بمواجهة الخصم سواء كان ذلك سياسياً أم اقتصادياً.‏

إن منطق السياسة يقتضي في مواقف كهذه اتخاذ مواقف عملية وحاسمة ومؤثرة وذات أثر مباشر تجاه ما حصل عبر سلسلة إجراءات تندرج بين العقوبات الاقتصادية وفرض قيود على التعاملات المالية وحركة رأس المال والسفر والمقاطعة الاقتصادية الرسمية والشعبية وسحب السفراء وصولاً لقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولة المستهدفة، كل ذلك بهدف التأثير في مواقفها لجهة التراجع عنها والحيلولة دون اتخاذ قرارات مشابهة مستقبلاً.‏

إن قناعة الإدارات الأميركية المتعاقبة بغياب مواقف عربية فاعلة ومؤثرة على المصالح الأميركية هو الذي يجعلها تتمادى في مواقفها الداعمة للكيان الصهيوني وتحديها لمشاعر العرب والمسلمين فيما تعلق بقضية القدس وانتهاك حقوق الشعب العربي الفلسطيني على وجه العموم، فلو أدركت الإدارة الأميركية أن ثمة مواقف حاسمة وفورية ببعدين سياسي واقتصادي ورافد شعبي سيواجه إجراءاتها وسياساتها الضارة بالعرب لكفت تماماً عن القيام بذلك، ولكن اتباع سياسة استجداء المواقف والخوف غير المبرر من أميركا عند بعض الساسة العرب هو أحد أهم أسباب ما تتخذه أميركا وغيرها من دول كبرى من مواقف تلحق الضرر بمصالح الدول العربية، ولا تحترم مشاعر أبنائها ورغباتهم.‏

إن إعادة الاعتبار للبندقية المقاتلة وتوحيد الصف الفلسطيني وتعزيز محور المقاومة وتحريك الشارع الفلسطيني والعربي والإسلامي وتعرية الأنظمة العميلة والمتواطئة مع الأميركي والإسرائيلي هي الحد الأدنى المطلوب للرد على القرار الأميركي الذي يشكل اعتداء على حقوق العرب والمسلمين والمسيحيين وبالدرجة الأولى حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في أرضه وقيام دولته المستقلة، وهو ما نصت عليه كل القرارات الدولية المتعلقة بذلك، وإن عدم القيام بذلك سيشجع الأميركي والإسرائيلي وغيرهما على المزيد من الخطوات والقرارات التي تنتهك كل الحقوق وتخالف كل قواعد الشرعية الدولية وحقوق الشعوب.‏