القانون الدولي وقضية نقل السفارةالأمريكية إلى القدس

القدس أقدم وأعرق مدن العالم، وتتمتع بقدسية دينية وثقافية وحضارية وأثرية؛ فهي تحتضن المسجد الأقصى المبارك، وقبة الصخرة، وحائط البراق، وكنيسة القيامة، وكنيسة المهد، وكنيسة الجثمانية، وسجن المسيح على طريق الآلام.

    وكان يؤمّها المسلمون والمسيحيون واليهود، من كافة أنحاء العالم، فهي رمز للتعايش وحوار الأديان السماوية، وتفاعل الثقافات والحضارات.

    وقبل أن نخوض في غمار بحثنا حول دور محكمة العدل الدولية في قضية القدس لابد لنا من أن نطرح السؤال التالي:

    ماذا يقول القانون الدولي عن القدس ؟

    أولاً: لابد لنا من أن نستعرض الوضع القانون الدولي الخاص الذي يحكم مدينة القدس، كونها مدينة ذات طابع ديني متميز لكونها تضم المقدسات الدينية وأماكن العبادة للديانات السماوية الثلاث.

    فقد ظلت المدينة، وعبر مراحل تاريخها المختلفة مفتوحة دائماً أمام الجميع، من أتباع الديانات الثلاث، وبناء على معاهدتي باريز عام (1856) و برلين عام (1878) بين الدولة العثمانية والدولة الأوروبية، واللتين تم التأكيد فيهما على ما تضمنه الفَرَمان العثماني الصادر عام (1852) بشأن احترام كل طائفة دينية في الإشراف على أماكن عبادتها في القدس، وكذلك ما جاء في صك الانتداب على فلسطين:

    ( على أن لا يتم تغيير الوضع القانوني القائم في المدينة إلاّ بموافقة جميع الأطراف ).

    وقبل الحديث عن الوضع القانوني بعد الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس، لابد من الإشارة بدايةً إلى الوضع القانوني الذي يحكم مدينة القدس؛ فقد ظلت المدينة محكومة بالقواعد الخاصة بحماية الأماكن المقدسة، التي أوردتها العديد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية كما ذكرنا، إضافة على سبيل المثال لا الحصر اتفاقية لاهاي لعام 1954، وبروتوكولين: الأول 1954، والثاني في عام 1999، وهذه الاتفاقية خاصة بحماية الممتلكات الثقافية والدينية في أثناء النزاعات المسلحة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948، والعهدان الدوليان للحقوق المدنية، وللحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادران عام 1966 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.

    وكذلك الملحق الإضافي الأول الموقَّع عام 1977 باتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949.

    كذلك اتفاقية فيينا لعام 1983 بشأن خلافة الدول على الممتلكات التي أضفت حماية قانونية خاصة على المقدسات الدينية.

    أما فميا يتعلق بقواعد القانون الدولي بشأن الاحتلال العسكري، فإن هذه القواعد لا تخول دولة الاحتلال إلاّ سلطات محدودة من أجل تمكينها من إدارة الإقليم الخاضع لها. وقد وردت هذه القواعد في اتفاقية لاهاي عام 1907 من المادة 4 حتى المادة 56 من اللائحة الرابعة من قوانين وأعراف الحرب البرية، وكذلك ما ورد في اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وهذا يعني ضمنياً بطلان أي إجراءات تشريعية أو إدارية تقوم بها سلطات الاحتلال لتغيير الأمر الواقع في الإقليم المحتل؛ وهو ما ينطبق على الوضع في مدينة القدس.

    من كل ما تقدم، يتضح أن الوضع القانوني لفلسطين من 15 أيار 1948، أي تاريخ انتهاء الانتداب البريطاني، هو القرار الصادر عن الجمعية العامة بتاريخ 29/11/1947 بعنوان (التقسيم) ذي الرقم (181) فهو المظلة الدولية القانونية لفلسطين.

    وبناء على قرار التقسيم فإن فلسطين تقسم إلى ثلاثة أقسام:

أ – قسم تنشأ عليه دولة فلسطين.

ب – قسم تنشأ عليه دولة يهودية.

ج – قسم يقوم عليه كيان مستقل منفصل يخضع لنظام دولي خاص، وتتولى الأمم المتحدة إدارته أي تدويل وضع مدينة القدس.

    وهذا يعني أنه تحت إشراف المجتمع الدولي الممثل بالأمم المتحدة، وليس تحت إدارة سلطات الاحتلال؛ فقرار التقسيم لم يرَ النور إلاّ الجزء الخاص بإقامة الدولة اليهودية، والتي قامت على رقعة أكبر مما ورد في القرار، ومحتلة للقسم الغربي، وهو القسم الأكبر من مدينة القدس.

    وفي 7 حزيران عام 1967 احتلت (إسرائيل) مدينة القدس بأكملها، وفي عام 1980 أقدمت (إسرائيل) على ضم القدس المحتلة واعتبرتها عاصمتها الموحدة بموجب قانون صادر عن الكنيسيت جاء في مادته الأولى: " إن القدس الكاملة والموحدة هي عاصمة إسرائيل " .

    فهي تعتبر السيادة الكاملة على القدس حقاً لها، ضاربة بعرض الحائط القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن بالإجماع؛ كالقرار رقم 476 الذي يحذرها من اتخاذ أي خطوة بضم القدس، أو القرار 478 عام 1980 الذي استنكر القرار الإسرائيلي واعتبره باطلاً.

    وهناك قرارات سابقة عدة صدرت عام 1968 في مقدمتها القرار 250، والقرار 253، حتى 259 التي اعتبرت جميع الإجراءات الإدارية والتشريعية للاحتلال بما فيها مصادرته الأراضي والأملاك التي من شأنها أن تؤدي إلى تغيير في الوضع القانوني للقدس إجراءاتٌ باطلة.

    وبالرغم من عدم اعتراف كل الدول – تقريباً – بالقرار الإسرائيلي بضم القدس وتوحيدها وجعلها عاصمة موحدة لها، إلاّ أنه مع مرور الزمن توالت عملية نقل السفارات والبعثات الدبلوماسية من تل أبيب إلى القدس في مخالفة صريحة للقرار الدولي 478 لعام 1980 الذي حظر على الدول إرسال بعثاتها الدبلوماسية إلى القدس وخاصة أن هذا القرار قرار الكنيسيت الإسرائيلي، واعتبره باطلاً من أوله إلى آخره حسب الشرعية الدولية.

    واللافت للانتباه، أن (جامعة الدول العربية) أعلنت في حينها (عام 1980) أن من حق الدول الأعضاء قطع علاقاتها الدبلوماسية مع أي دولة تنقل سفارتها إلى القدس، أو حتى تعترف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي. واليوم الجامعة العربية أمام امتحان حقيقي فيما إذا أقدمت الولايات المتحدة على نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، ويتطلب من دول الجامعة قطع علاقاتها مع واشنطن ترجمة لقرار الجامعة الصادر في العام 1980.

    ولا تنطلي التبريرات القانونية التي استخدمتها سلطات الاحتلال على أحد بأن وجودها في القدس هو احتلال ولو استخدمت مصطلح الدمج القانوني أو التكامل، وهي لا تزال تنظر إلى أبناء القدس الشرقية على أنهم مقيمين دائمين وليسوا مواطنين فلسطينيين يتمتعون بالجنسية والحقوق، رغم أنهم يعيشون في المدينة المقدسة منذ آلاف السنين، وهم أصحاب الأرض الحقيقيين.

    وخلافاً لموقفها بعدم الاعتراف بالإجراءات لتغيير موقع مدينة القدس، يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس العربية في مخالفة واضحة للقرارات الدولية وانتهاك للأعراف والمواثيق الدولية؛ وهو يستند على قرار الكونغرس الأمريكي، لكن في الحقيقة فهو يظهر مدى انحيازه الكامل للكيان الإسرائيلي، ويترجم ما جاء في دعايته الانتخابية.

اللجوء إلى محكمة العدل الدولية دفاعاً عن القدس:

    وفيما تخالف سلطات الاحتلال أحكام القانون الدولي والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن، وعن الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن فلسطين، فما هي إمكانية التحرك العربي والإسلامي للرد عبر القانون الدولي على ممارسات الاحتلال الرامية إلى إلغاء هوية القدس العربية والإسلامية والمسيحية.

    يمكن للدول العربية اللجوء إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي لطلب فتوى قانونية دولية حول عدم شرعية إجراءات الاحتلال بضم القدس، طالما أن المادة /96/ من ميثاق الأمم المتحدة تنص على مايلي: (لأي من الجمعية العامة أو مجلس الأمن أن يطلب إلى محكمة العدل الدولية إفتاءه في أي مسألة قانونية).

    كما أن ذلك يستند إلى قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947، ومخالفة الكيان الإسرائيلي لهذا القرار بقانون صادر عن الكنيست عام 1980 مضمونه (توحيد المدينة وإعلانها عاصمة أبدية لإسرائيل ) ما يشكل انتهاكاً جديداً لقرارات الشرعية الدولية وخرقاً للمواثيق.

    وتهدف هذه الفتوى إلى تحريك الرأي العام العالمي، وتعميق الوعي بأهمية القضية الفلسطينية، وقضية القدس وبعدها الإعلامي والتعبوي؛ لما تشكله ممارسات الاحتلال من خطر على مستقبل فلسطين والمنطقة، وعلى صعيد السلم والأمن الدوليين.

    ولابد من التوضيح أن محكمة العدل الدولية لا يمكنها رفض طلب الفتوى؛ لأن المحكمة هي جزء من الأمم المتحدة، وملتزمة بميثاقها، إضافة إلى نظامها الأساسي.

    وهنا يجب استثمار هذه المسألة للتحرّك وتقديم الفتوى إلى المحكمة لدعم قضية القدس، وذلك نظراً لمشروعية الحق العربي وعدالة القضية الفلسطينية، وللمكانة التاريخية الحضارية العربية للقدس.

       ووفقاً للقرار 181 لا يمكن تجاهل دور أبناء القدس في إدارة شؤون مدينتهم، ولن يكون حكم المحكمة بفتواها إلاّ لصالح القدس على أنها مدينة عربية لها خصوصيتها وما فعلته سلطات الاحتلال يخالف هذه الخصوصية المنصوص عنها في القوانين الدولية.

    وجدير ذكره أن طلب المشورة من محكمة العدل الدولية في هذا الخصوص لا يحتاج إلى أكثر من غالبية بسيطة في الجمعية العامة ولا تملك أية دولة من أعضائها حق الرفض (أو الفيتو)، ويمكن للعرب والمسلمين التحرك وتقديم هذا الطلب القانوني المشروع.

    وعندما تتسلم محكمة العدل الدولية أي طلب فإنها تعمِّم ذلك على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، طالبة منها الإدلاء برأيها في وقت محدد.

    وفيما يتعلق بجهود واشنطن نقل سفارتها إلى القدس المحتلة، فإنه يمكن الطلب إلى المحكمة بإصدار أمر بمنع الدول الأعضاء من اتخاذ أي إجراء بشأن نقل سفارتها إلى القدس.. وهنا لابد من الإشارة إلى أنه يمكن حسب الدستور الأمريكي الحصول على قرار من المحكمة العليا في واشنطن بمنع نقل السفارة الأمريكية إلى القدس قبل صدور قرار محكمة العدل الدولية، وهذه نقطة غاية في الأهمية يجب أن يستثمرها المدافعون عن القضية الفلسطينية.