الأغنية العربية في مهب التهريج !

الخميس, ديسمبر 7, 2017 - 02:30

البوصلة

تعيش الأغنية العربية اليوم ،في أزمة حقيقية ،هي نتيجة طبيعية لصعود صناعة التهريج العملاقة بألوانها المتنافرة ،التي تجتاح العالم بمرجعيتها الوحيدة السائدة ،سليلة تلك المنظومة المؤدلجة ،الخبيثة بمراميها وأهدافها المعلنة والغير معلنة .وهذه نتيجة متوقعة بسبب تغير مفاهيم الجمال والتذوق ،نحو الخروج الكلي من المقولات القديمة ومشروعها الموسيقي المكتمل فكرا وممارسة ومعرفة .
- هذه المقولات الراسخة لم تعد ذات أهمية وبال ،لهذه الشركات الانتاجية التي تهيمن بشكل خطير ومرعب على تفاصيل ومقدرات هذا الفن ،انتاجا ونشرا وتوزيعا واعلاما ،عبر شبكة تمتد شرايينها الأخطبوطية حول العالم ،حيث باتت تتغلغل في تربة الفنون الموسيقيةالوطنية ،بغية تسميمها واقتلاعها من جذورها لصالح عناصر وافدة ،وفنون غنائية وموسيقية تتوخى المردود المالي بعيدا عن القيمة والمضمون الروحي والوجداني الذي أطر أغلب نتاجات هذا الفن حتى وقت قريب ،حين كان هناك فرسان حقيقيون في الكلمة واللحن والأداء بما انعكس على تنمية وإرتقاء الذوق والذائقة العربية ، ومنح المتلقي العربي القدرة على التماس وإدراك الحس الجمالي والتعبيري في أعمال كبيرة بكل المقاييس والمعايير النقدية والجمالية .إذا ماحدث كما أسلفنا كان متوقعا وطبيعيا جدا ،حين تخلى الموسيقي العربي عن رسالته الفنية ،وعن مساهمته في حفظ وصون المكتسبات الابداعية لهذا الفن ،بعيداعن تيارات التغريب والتقليد التي سادت بعد فترة النهضة الموسيقية بدايات ومنتصف القرن الماضي ،لتجد موسيقانا وأغنيتنا العربية نفسها في مهب التقليد والتهريج واستنساخ الآخر التجاري ،بما وسع الفجوات بين الأجيال وأحدث قطيعة معرفية مابين التقاليد القديمة الموروثة والأعمال المعاصرة التي كرست في حقيقة الأمر مفهوم جديد للانتماء وقتل الهوية الوطنية ،بغية الاندماج الكلي في مشروع العولمة الثقافي بلونه الموسيقي الوحيد الذي يعتمد على تكريس تقاليد جديدة ومغايرة تخرج نهائيا من سطوة هذا الماضي وموروثه الناجز ،من دون أن يعني ذلك بطبيعة الحال تبني مفهوم الدور والرسالة الانسانية المنشودة في كل زمان ومكان ،وكل ذلك ستتكفل به التكنولوجيا المرعبة في سبيل خلق فن ،يتجه أصلا الى أجيال فتية ،تعتمد على المادة وكل ماهو مادي رخيص وفقير ،بعيدا عن روح الجمال والذائقة السليمة ،خاصة حين تفتقد هذه الأجيال روح الانتماء لهويتها وتاريخها ،نعم بات فن الغناء العربي اليوم بمثابة سيرك للتهريج وتزجية الوقت ،حيث سحر المال الفاسد يفعل العجائب عبر متطفلين ومهرجين وأدعياء باتوا يحتلون بحضورهم السمج كامل المشهد ،يفرضون مواهبهم وابداعهم على الجميع من دون أن يوقفهم أحد أو يعيدهم الى مهنهم الأصلية التي تركوها ،وكأن هذا الفن أصبح في ألفيته الثالثة العتيدة ميدان وحقلا للتجارب يدخله من يشاء ومتى يىشاء وكيف شاء لطالما وُجد المال الذي يدفع للزمار ليفرض لحنه الذي يريد ،وهذا السر الذي جعل الغناء اليوم مدعاة للتهريج بعدأن كان زمن الفن الجميل حياة الروح ومبعث الأمل والفرح معبرا بكل صدق عن قضايا الوطن والانسان ،حمل معه الرسالة الانسانية العالية بعيدا عن كل مايسفه ويسلب الانسان كرامته وحضوره المشع في الحياة ،يكفي المرء أن يرى الفرق مابين ذاك الزمن الابداعي العظيم الذي قدم نتاجا عظيما وخالدا لأنه بكل بساطة لم يسمح للمهرجين والدجالين دخول عالم هذا الفن بغية تشويهه والنيل من دوره ورسالته الجميلة في الحياة ،ولأنه سعى على الدوام الى خلق حالة من الديمومة الجمالية المستقاة من طيب الكلمة الشعرية وعذوبة اللحن النقي وإعجاز الصوت والأداء والموهبة الحقة ،التي أثرت الذائقة العربية وفتحت المجال واسعا لدخول هذا الفن المجال التعبيري الدرامي عبر تجربة غنائية متكاملة لم يستطع زحف التغريب والتقليد أن ينال من حضورها المشع في الذاكرة الجمعية المشبعة بنتاجات الابداع والجمال الموسيقي النادر الذي لن يتكرر .