«داعش بكلّ الألوان»..

تختلف المقاربات التي يمكن أن نقوم بها في تعريف "داعش"، سواء كان التنظيم المعروف بمسمّى "داعش" أو التنظيمات بمسميات أخرى والتي تحمل نفس المنهجية والأساليب والتي يعتنق اغلبها افكار "السلفية الجهادية" التي تدعو الى إعادة "الخلافة الإسلامية وتطبيق الشريعة" كعنوان تعمل تحته غالبية التنظيمات الإرهابية.
وباعتقادي أنّ وصف مجموعة بما يشبه توصيفنا لـ"داعش" أمرٌ يرتبط بالشبه في المناهج والغايات والأسلوب والإرتباطات، وهذا ينطبق أيضًا على القوى والأفراد الذين ينشطون في البعدين السياسي والإعلامي بما يخدم الغايات التي نعتبر أنّ "داعش" جزءٌ لا يتجزأ منها، وهو ما يتطلب مراجعة لتاريخ ظهور التنظيمات التي نصفها بالإرهابية وتستخدم العنف اسلوبًا رئيسيًا لتحقيق غاياتها وغايات مشغليها وداعميها.

في المبدأ، لا يمكننا فصل مكوّنات سواء الدول او الأدوات عن المواجهة الحالية التي تستهدف المنطقة خلال المسار الطويل للمواجهة، والذي يعود الى مائة سنة للوراء مع ظهور اتفاقية سايكس بيكو التي قسّمت المنطقة الى كيانات سياسية تسعى الجهات الإستعمارية التي تقودها منذ نهاية الخمسينيات الولايات المتحدة الأميركية بعد عجز فرنسا وبريطانيا سنة 1956 عن تحقيق أهداف العدوان الثلاثي الذي شاركت فيه "إسرائيل" الى تغيير شكل الكيانات لمستوى أدنى من مستوى الدولة الى مستوى الدويلات، وهو ما يحصل منذ سبع سنوات عبر اطلاق الحرب التي حملت شعار التغيير الديموقراطي وتحت يافطة "الفوضى الخلّاقة" وهي في الحقيقة الفوضى الهدّامة التي اغرقت المنطقة بالدم والدمار، وهو أحد الأهداف الأساسية لكسر الدول وجعلها دولًا فاشلة بدون جيوش وطنية. وعندما استخدم تعبير الدم والدمار فهي تسمية اطلقها الغرب على اعادة تكوين وتشكيل المنطقة التي يجب ان تمر عبر حدود الدم.

عبر التاريخ القديم والحديث، شهدت المنطقة اكثر من محطة ارتبط فيها الفكر التكفيري بالغزوات التي تعرضت لها المنطقة، حيث واكب ابن تيمية الغزو المغولي وواكبت الحركة الوهابية مرحلة الإعداد لسايكس بيكو، وما حصل لاحقًا قبل وبعد نشوء الكيان الصهيوني من احتضان بريطاني لحركة الأخوان المسلمين التي وُضعت بمواجهة ثورة الضباط الأحرار والرئيس جمال عبد الناصر في مصر، ووُضعت لاحقًا بمواجهة الحركة التصحيحية والرئيس حافظ الأسد في سوريا وكذلك في الجزائر، ولا تزال هذه الحركة حتى اللحظة إحدى أخطر الحركات التي فرّخت منها عشرات التنظيمات الإرهابية بالتوازي مع التنظيمات التي قامت على اساس "السلفية الجهادية"، التي اسّس لها حسن البنا كحالة منبثقة من الأخوان المسلمين التي ظهر من رحمها العديد من التيارات والحركات المتشددة والتي تبنت العنف كوسيلة لإقامة الخلافة.

الشكل الأكثر تنظيمًا وانتشارًا للتنظيمات المتشددة ظهر في افغانستان عبر تأسيس تنظيم "قاعدة الجهاد" على يد عبدالله عزام، والذي قاده فيما بعد اسامة بن لادن لمحاربة الجيش السوفياتي بدعم مباشر اميركي وسعودي لم يكن خافيًا ابدًا.
مع احتلال اميركا للعراق الذي كان هدفه الأساسي اخضاع المنطقة، بدأت مجاميع وفلول تنظيم "القاعدة تتجمع من جديد في العراق خصوصًا بعد رفض الرئيس بشار السد لإملاءات كولن باول وزير الخارجية الأميركي حينها والهادفة الى وضع سوريا ولبنان وسائر المنطقة في الفلك الأميركي عبر تظهير العراق المهزوم، كنموذج يمكن من خلاله اخضاع باقي الدول وهو ما لم يحصل.

مع إطلاق الحرب على سوريا، بدأت التنظيمات التابعة للقاعدة تظهر بقوة وتحلّ محلّ ما سمّي بـ"الجيش السوري الحر" الذي ضمّ ضباطًا وجنودًا انشقوا عن الجيش السوري، ولم تصل نسبتهم حتى في لحظات ذروة تشكل هذا الجيش الى 8% من عديد الجيش رغم كل المحاولات الأميركية والخليجية.
البدايات الأولى لهذا الجيش لم تختلف في الممارسات عن اي من التنظيمات الحالية، حيث حملت كتائبه اسماء مرتبطة بشخصيات دينية اسلامية، حيث ارتكب هذا الجيش فظائع تمثلت بالمجازر ذات البعد المذهبي والتمثيل بالجثث وقطع الرؤوس ونزع القلوب، وما الى ذلك من الفظائع التي تبتعد كثيرًا عن روحية الإسلام الحنيف.

على مدى سنوات الحرب السبعة في سوريا وبعدها في العراق وليبيا والعمليات العديدة في سيناء وتونس ونيجيريا واكثر من مكان في العالم، كنا امام مسميات مختلفة باسلوب وسلوك واحد اعتمد التوحش والترويع لبسط سيطرته لتتكشف بالتتابع مسؤولية اجهزة المخابرات الغربية والخليجية والتركية عن رعاية وتدريب وتسليح وتمويل هذه التنظيمات حتى اللحظة، وكان أوضحها وأكبرها تنظيما "داعش" و"جبهة النصرة" التي تحاول الجهات الراعية تجميلها بين الفترة والفترة، من خلال تغيير أسمائها كمحاولة لفرضها كجهة مشاركة في التسوية والحكم وهو الأمر الذي تتنبه له القيادة السورية وحلفاؤها.

بموازاة التنظيمات التكفيرية، لا بد من الإشارة الى الجيش الكبير من ضباط المخابرات الذي يدير التنظيمات التكفيرية كجيوش بديلة وادوات تدمير وتقسيم. أيضًا لا بد من التذكير انّ الحرب الإعلامية والنفسية الموازية لهذه الحرب تدار بواسطة غرف متخصصة وفضائيات ومواقع تشكل جيشًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، لتشويه الجيوش الوطنية والقوات الرديفة الناشئة بحكم الحاجة مع اعتماد سياسة الكذب والتضليل حتى اللحظة في تصوير الصراع على انه صراع بين الشعوب والأنظمة.
أيضًا لا بد من التذكير ان المواجهة تشمل الكثير من الدواعش بربطات عنق بشكل دول وشخصيات سياسية واحزاب وهيئات وحركات قد لا تكون جزءًا من الفكر التكفيري، وتلبس لبوس العلمانية والحداثة، ما شكّل اضافة الى كل ما اشرنا اليه كمحورمتكامل بإمكانيات هائلة لا يزال قادرًا على تغيير جلده وآلياته وادواته.

وعليه، فإنّ ما نشهده هو عناصر متكاملة تديرها وتقودها ادارة تدير مجمل المواجهة، ما يعني أنّ هزيمة التنظيمات الإرهابية لن يكون آخر المطاف في مسار المواجهة التي ستستمر باشكال اخرى يتم خلق ظروفها ومناخاتها، ليتأكد لنا أنّ "داعش" ليست بلون اسود فقط لا بل هي "داعش" بكل الألوان ومن كل الفئات والطوائف والمذاهب يجتمعون بمواجهة محور المقاومة الذي يضم ايضًا كل الفئات والطوائف والمذاهب، لنكون امام البعد والشكل الحقيقي للإنقسام الذي كان وسيبقى الى حين هزيمة المشروع مثار اخذ ورد تُخاض فيه المعارك في كل الميادين العسكرية والإقتصادية والسياسية والإعلامية، رغم ان الكلام عن هزيمة عسكرية كاملة للأدوات الإرهابية لا يزال مبكرًا.