التعطيل أو اللا استقرار ؟

بعد الفشل في تحقيق الأهداف الكبرى للمشروع الذي استهدف الدولة السورية والمتمثل في إسقاط نظامها السياسي وتشظية وانقسام المجتمع السوري وتحويل سورية إلى دولة فاشلة لا تستطيع السلطة فيها القيام بواجباتها ومسؤولياتها القانونية والدستورية مع تمكنه من تحقيق بعض أهدافه المتمثلة في القتل والتهجير والتدمير واستنزاف المقدرات الاقتصادية

إلا أن الحديث عن نهاية قريبة للازمة يبدو مستبعدا فالواضح إن المحور الذي استهدف سورية يركز راهنا على تعطيل أو عرقلة أي حل سياسي وإبقاء أو تكريس حالة من اللا استقرار بدليل استمرار تواجد قوات أجنبية معتدية في بعض المناطق أو التحالف مع قوى محلية وتقديم المساعدات لها أو حماية بعض المجموعات المسلحة تحت عنوان معارضة معتدلة إضافة إلى الحديث عن تحويل مناطق خفض التوتر إلى حالة دائمة وتعيين سلطات محلية لإدارتها لتكون مستقبلا عناوين سياسية أو طرفا للتفاوض مع السلطة المركزية والسعي لفرض واقع تقسيمي بحماية خارجية .‏

إن الحديث الأميركي بأن القوات الأميركية ستبقى في سورية بعد القضاء على داعش إلى أن يتم الوصول إلى حل سياسي عبر مؤتمر جنيف يدل دلالة قاطعة أن القوى المنخرطة في الحرب على سورية تريد استبدال أدوات الضغط الإرهابي التي استنزفت وهزمت عسكريا بضغط القوى الخارجية ما يعني أن البعدين الإقليمي والدولي سيكونان مستقبلا الأكثر تأثيرا وحضورا في سياقات الأزمة ما يعني المزيد من التعقيد والكباش السياسي الذي يحتاج إلى توافقات إقليمية ودولية تساهم إن حصلت - وهذا يبدو ضمن المعطيات الراهنة غير ممكن- في إيجاد مناخ وتوفير فرص لحل سياسي عبر الحوار السوري السوري وإلا سيبقى التعطيل واللا استقرار هو العنوان الأبرز في المرحلة القادمة وثمة مؤشرات عملية على ذلك منها لهجة وخطاب اجتماع الرياض وتأجيل مؤتمر سوتشي والدوران في الفراغ الذي وسم انعقاد مؤتمر جنيف بنسخته الثامنة وتحوله إلى طقس إعلامي استعراضي من قبيل لزوم ما لا يلزم .‏

والى جانب ما تمت الإشارة اليه يبدو العامل الإسرائيلي كعنصر تعطيل يمارسه الأميركي بالنيابة اكثر وضوحا بعد سقوط رهانات وحسابات العدو واستنتاجات مراكز استخباراته وأبحاثه حيث اعتقدت أن ما تشهده سورية سينتهي بهزيمة وسقوط محور المقاومة أو استنزافه سيما وان تشكل قاعدته الأساسية ورأس الحربة فيه ما يعني من الناحية العملية زوال أي خطر حقيقي يتهدد وجود الكيان وأمنه ويفسح في المجال لتصفية القضية الفلسطينية وطي ملف الصراع العربي الإسرائيلي ولكن الأمور سارت عكس ذلك فمن حيث المبدأ تحقق الانتصار بالمعنى الاستراتيجي لسورية وحلفائها واصبح محور المقاومة اكثر قوة وخبرة عسكرية وتماسكا واستعدادا للمواجهة حال وجود أية تهديدات محتملة أو نوايا لعدوان مبيت قد يفكر فيه البعض خاصة أولئك الذين لا يقرؤون الواقع جيدا بموازين قواه الحقيقية لا الافتراضية .‏

إن أي حديث عن حل سياسي للازمة بعد القضاء على الإرهاب وإنهاء دوامة العنف لا يأخذ في الاعتبار كأولوية معالجة نتائج الحرب على السوريين التي تصل إلى مستوى الكارثة وتتمثل في إعادة الإعمار وعودة اللاجئين والنازحين والمهجرين إلى ديارهم وتأمين مأوى لمن دمرت بيوتهم ومعالجة ملفات المفقودين والمخطوفين وغيرهم والتعويض على المتضررين ومعالجة كافة الأبعاد الإنسانية للازمة لن يكون حلا مجديا وعمليا ومتمتعا بقاعدة شعبية تحميه وتحصنه فتغليب أولويات القوى الخارجية التي تحكمها مصالحها وأجنداتها التي قد تتقاطع مع رغبات المسكونين في الوصول إلى السلطة والحكم باي ثمن حتى لو كان على جثث مئات الآلاف من السوريين ومآسي الملايين منهم تغليب تلك على مصلحة السوريين هذه بالتأكيد لن تجد نصيبا من النجاح أو القبول .‏

إن أي حل سياسي لا يستند إلى قاعدة من الأمان والاستقرار الاجتماعي والعدالة الوطنية والقبول الشعبي الواسع ولا يحترم إرادة الشعب السوري وسيادة الدولة السورية ولا يأخذ في الاعتبار حجم التضحيات التي قدمها من أبنائه سواء القوات المسلحة او غيرها لن يجد طريقا للنجاح ولن يكون بالتأكيد مقبولا من الحكومة السورية التي حددت رؤيتها في الحل وأبدت الاستعداد لتسوية سياسية تأخذ في الاعتبار عناوين كثيرة تتعلق بتطوير النظام السياسي ووحدة قياسه صناديق الانتخاب ومرجعية ذلك الشعب العربي السوري وإرادته الحرة لا مرجعية الخارج وفائض قوته السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية أو سطوة النفوذ الدولي .‏