قمم سوتشي: الطريق إلى الخرائط الجديدة!

من لا يرد أن يفهم ما يجري من تحولات، ومعادلات جديدة فهذا شأنه، وليبق يعش في صندوقه الخاص الذي انتهى مفعوله ومدته، فالعالم يتغير بسرعة كبيرة، والفوبيا السورية تدق أبواب المرعوبين والخائفين والمهزومين الذين لا يعرفون ماذا يفعلون!
تارة يحاولون هز الوضع اللبناني لاعتقادهم أنه الأضعف، وتارة يهددوننا بتحالفاتهم الجديدة مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، ثم يجمعون جامعتهم المسماة «عربية» لإصدار بيانات لا قيمة لها في ميدان المعارك المفصلية، ويظهرون سعارهم على هزائمهم، وخيباتهم من دون أن يمسكوا بحبال النجاة التي ترمى لهم من حلفاء الانتصار، أو أن يقرؤوا المعادلات الجديدة الصارخة التي تقول لهم لقد هزمت «داعشكم» وتنظيماتكم التكفيرية في المنطقة، فلتتوقفوا عن العنتريات ولنبحث معاً عن تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة لمصلحة الجميع، فاستمرار الحروب العبثية لن يفيد أحداً بمن فيها أنتم مشعلوها وداعموها، وسوف تقسمون بعد أن تدفعوا الأموال، وتحلبون كالبقرة وفقاً لرؤية الرئيس الأميركي دونالد كاش الذي لا يقبل من أتباعه إلا الدفع النقدي «الكاش» ولذلك سيورطكم في كل الدهاليز حتى تنتهي صلاحياتكم وأموالكم، ومن لم يتعلم من دروس السنوات السبع، فإلى جهنم وبئس المصير.
قمة سوتشي بين الرئيس بشار الأسد والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، جاءت لتعلن الانتصار التاريخي الذي جاء نتيجة تضحيات السوريين والإيرانيين وحزب الله ودعم روسيا الاتحادية المطلق إلى حد استشهاد كبار جنرالاتها في هذه الحرب المقدسة ضد التوحش والإرهاب وضد أعداء الإنسانية والحضارة.
لقد كانت قمة تعبر عن دفء وعمق العلاقة بين الرئيسين والبلدين، ولتؤكد متانة التحالف الاستراتيجي الروسي السوري حيث تشكل سورية عماد الانطلاقة الشرق أوسطية، والعالمية لروسيا الصاعدة.
واضح تماماً أن القمة الثنائية جاءت قبل القمة الثلاثية الروسية التركية الإيرانية التي يراد لها أن تكون داعماً إقليمياً، للحل السياسي المنشود في سورية، قبيل جولة جنيف القادمة، ومؤتمر سوتشي للحوار السوري الوطني المزمع عقده الشهر القادم.
سبق القمة الثلاثية، لقاء لرؤساء أركان الدول الثلاث، ومن ثم لقاء لوزراء الخارجية في مدينة أنطاليا التركية، والتي قال إثرها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: إنه جرى الاتفاق على كل المسائل المتعلقة بالتسوية في سورية، ثم أتت قمة الرئيسين الأسد بوتين لتضع اللمسات الأخيرة على قمة سوتشي الثلاثية بين روسيا وتركيا وإيران.
اللافت بعد القمة الروسية السورية ما قاله الرئيس الأسد عن الاستعداد للعمل مع كل من يريد المساهمة في إحلال السلام والاستقرار في سورية، لكن بشرط عدم التدخل في الشأن الداخلي السوري مع مطالبة موسكو بمنع أي شكل من أشكال التدخل.
ماذا يعني هذا الكلام المهم؟
أرى أن الرسالة موجهة إلى كل من الدول الإقليمية والقوى العالمية التي لديها نوايا طيبة بالمساعدة، ودعم إنجاز الحل السياسي المنشود، وبالأخص تركيا التي انخرطت من خلال مسار أستانا، ومن خلال التنسيق مع الروس والإيرانيين، وبدء تغيير خطابها ومقارباتها تجاه ما يحدث في سورية، حيث اختفت مصطلحات الأمس من قاموسها، واعترفت عبر وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو أن بقاء الرئيس الأسد أصبح أمراً مسلماً به، مع الدعوة للعمل لدعم الحل السياسي، والقبول به، وهو أمر لم نكن نسمعه سابقاً من أي مسؤول تركي.
بغض النظر، عن أن ذلك لم يكن ليقدم أو ليؤخر، ولكن علينا أن نعترف أيضاً أن تركيا لعبت دوراً سلبياً ودموياً في الحرب على سورية، وفي الوقت نفسه فإن دورها مهم وأساسي في دعم إحلال السلام والاستقرار في سورية، وخاصة أن كبار مسؤوليها ومنذ فترة يتحدثون عن وحدة سورية وسيادتها واستقلالها.
الحقيقة أنه على الرغم من أن لقاء أنطاليا كان ثلاثياً، لكن سورية كانت الرابعة باعتبار أنها كانت مركز الحديث والاهتمام، إضافة لدورها المركزي في الخرائط الجديدة، والتحالفات التي ستنشأ في المنطقة خلال المرحلة القادمة.
أما الحقيقة الأخرى فإن قمة سوتشي الثلاثية الروسية التركية الإيرانية هي أيضاً رباعية لأن أفكار الرئيس الأسد وثوابته ورؤيته للحل السياسي، هي التي ستحظى بدعمهم، ولولا الموانع المرتبطة بالموقف التركي الذي يحتاج للاختبار الكبير في إدلب، لكان بالإمكان الحديث عن قمة رباعية.
الواضح أن المنطقة تتجه نحو تحالفات وخرائط جديدة، وقمم سوتشي سوف ترسم معالمها الجديدة، وما أراه أن المستقبل سيحمل تحالفات تقوم على رباعي «سوري عراقي تركي إيراني» إن أحسنت إدارة المخارج، والحلول وخاصة مع انتصار سورية التاريخي، وإذا كان البعض قد لا يتفق كثيراً مع هذا الطرح، فإنني أرى أنه لمواجهة التحالف السعودي الإسرائيلي الذي يريد أن يقسم المنطقة على أسس صراع جديدة تقوم على معاداة إيران، لابد من تحالف واسع في المنطقة يحصنها من احتمالات خلق صراعات جديدة، وضبط إيقاعها.
يكتب رئيس تحرير صحيفة «يني شفق» إبراهيم قره غول، المقرب من أردوغان، في مقالٍ له ما يلي: «الحلف الشرقي يصعد، والحلف الغربي يتوقف، وخرائط السيطرة تتغير، والوزن الاقتصادي والسياسي يتجه نحو الشرق، وتركيا ترى هذا التغير، وتأخذ موقعها ضمن هذا الإطار من أجل مستقبلها، وهذا التغير الحاصل تدركه أميركا، ولكن تركيا ترفض الاعتماد على طرف واحد».
ويتابع: «يجب أن نقبل حقيقة أنه في مرحلة الحرب الباردة كان الدرع الغربي قد تأسس عبر خط تركيا إيران أفغانستان باكستان أندونيسيا لحماية الغرب من الشيوعية السوفياتية والصينية، ولكن بعد نهاية الحرب الباردة، تحولت كل البلدان الإسلامية في هذا الدرع إلى تهديدات من وجهة النظر الأميركية، وهو ما جعل كل هذه البلدان اليوم تتخذ مواقف معادية لأميركا.
والغرب لم يفقد تركيا فقط، بل كل هذه المنطقة، والبعض ما يزال يجادل أن تركيا لن تترك الغرب، وهو لن يتركها، ولكن هذا نمط مما أصبح الأتراك يفكرون به، ويكتبون عنه علناً، على الأقل ستتحول تركيا إلى سياسة متوازنة بين الغرب والشرق، والسبب تغير موازين القوى والثروة، والوزن الاقتصادي نحو الشرق، ومعركة سورية حسمت الاتجاه نحو الشرق، وأبرزت دور هذا الشرق أي روسيا والصين بشكل واضح ووازن، وابتسامة الرئيس الأسد الدافئة، وعناق الرئيس بوتين الحميمي له تعبير عن انطلاقة جديدة لخرائط جديدة عبر قمم سوتشي، ومؤتمراتها القادمة.