المشروع القومي ومواجهة مشاريع الهيمنة

عقد في دمشق الأسبوع الماضي ملتقى الحوار القومي بمشاركة واسعة من نخب فكرية وسياسية وإعلامية وحزبية عربية وبرعاية سيادة الرئيس بشار الأسد،

ولا شك أن للمكان رمزيته، فدمشق هي قلب العروبة النابض وحاضنة الفكر القومي ورأس الحربة في مواجهة العدو الصهيوني.‏

من هنا يصبح للملتقى أهمية استثنائية ودلالة مهمة ولاسيما أن سورية تخوض حربا في مواجهة اخطر مشروع يستهدف الأمة العربية ووجودها الحضاري ويعمل على نسف الهويتين الوطنية والقومية وتكريس ثقافة الاستسلام للعدو الصهيوني والاستكانة للقوى الخارجية أو الهزيمة أمام عصابات الإرهاب والقتل والدم المتحالفة مع القوى الرجعية والأعداء التاريخيين للأمة العربية .‏

إن سورية بجيشها وشعبها وقيادتها التاريخية ودعم حلفائها وأصدقائها استطاعت أن تواجه وتفشل اخطر مشروع واجه الأمتين العربية والإسلامية خلال قرن مضى بتصديها للعدوان الإرهابي التكفيري الذي استخدمت فيه أدوات داخلية وإقليمية واستثمر فيه العامل الديني وتحديدا المذهبي أسوأ استثمار بهدف تحريض قطاعات واسعة من أبناء المنطقة على إخوانهم في الوطن بهدف تخريبه وتشظيته وصولاً لتدميره بنيةً ومكونات.‏

إن ما تشهده دول المنطقة من تحديات وجودية عبر النفخ في محرقة الأديان والمذاهب والأعراق يحتاج إلى جهد فكري وثقافي ذي طبيعة استراتيجية واسعة الحوامل متعددة المرجعيات والهويات الأيديولوجية متفقة على الأهداف البعيدة وتحديد وطبيعة المخاطر التي تتهدد أبناء المنطقة ودولها وكياناتها السياسية ووجودها الحضاري وهويتها الثقافية، من هنا تبرز أهمية الملتقيات الفكرية التي يمكن أن تشكل النواة والإطار لتشكيل الكتلة الفكرية التاريخية لتكون الحامل والرافعة الثقافية والاجتماعية لها بهدف تشكيل وعي شعبي واسع الطيف بطبيعة ومخاطر هذه المشاريع الهدامة ومواجهتها وإسقاطها والحيلولة دون سيطرتها على الوعي الجمعي للجماهير بالمعنى الواسع للكلمة لأن الخطابات المضللة للرأي العام لا تتحرك إلا في مساحات الجهل والأمية.‏

إن المعارك الثقافية مع قوى الاستسلام والرجعية والظلام ليست بالمسألة السهلة لأنها تحتاج إلى خطاب مقنع للجماهير إضافة للأدوات الفاعلة والمؤثرة في المجتمع والتي تتمتع بالمصداقية وتملك مهارة التواصل مع الجماهير وتشكل القاسم المشترك مع الأوساط الشعبية بمختلف مستوياتها وبيئاتها التي تؤثر في وعيها وسلوكها، وهذه مسألة غاية في الأهمية، لأن أحد أهم أسباب فشل المشروع النهضوي العربي هو نخبوية الخطاب وابتعاده عن الواقع وعدم قدرته على الاستثمار في الثقافة السائدة والارتقاء بها إلى حيث يجب أن يستدعي الوعي المطلوب لتكون الجماهير هي الحامل والمتفاعل مع تلك الأفكار.‏

إن سورية المقاومة ورافعة الفكر القومي العروبي بشعبها وقيادتها الحكيمة وخطابها الفكري ورسالة البعث التي تحملها قادرة على ريادة هذا المشروع الذي يشكل الخلاص للأمة ما يواجهها من تحديات وجودية تستهدفها حاضراً ومستقبلاً ولاسيما أن النخب الثقافية والشارع العربي البعيد عن مؤثرات خطاب الفتنة والتضليل والخداع مازال يراهن عليها وعلى قيادتها التي أثبتت للعرب والعالم أنها الوحيدة التي أدركت مبكراً أبعاد ما جرى ويجري من استهداف للأمة واستنفرت رصيدها الوطني والحضاري كي تواجه ذلك المشروع وتحد من تأثيراته وصولاً لإلحاق هزيمة نهائية به وبأدواته ومروجيه ومستثمريه.‏