معركة الهوية لإنهاء القضية..

إنها المعركة المحورية والتي بدون كسبها لن نكون في أفضل أحوالنا، وما نعيشه من إحتراب ومعارك مستمرّة لم ينتج من الفراغ إنما أتى بفعل فاعل استطاع ان يصل الى تفاصيلنا التاريخية والثغرات التي يمكن التسلل منها توطئة لبث الخلاف والإحتراب الذي نعيش اسوأه في هذه المرحلة، والذي سيستمر للأسف الى أمد غير منظور رغم ما نحققه من صمود بمواجهة الهجمة الشرسة على المستوى العسكري بالتزامن مع ظهور الدعوات التي تحمل عناوين الإنفصال والتجزئة من الداخل وليس من الخارج فقط.

عندما نوصّف الهجمة الحالية فإنّها في التوصيف لا تختلف عن الهجمات السابقة سواء في عناوينها او استهدافاتها، ولكنها بلا ادنى شكّ اكثر شدّة ووقعًا كون الذي يخطط بات يمتلك إضافة لخاصيّة المعرفة بتفاصيلنا الكثيرين من دعاة التجزئة سواء كانوا افرادًا او جماعات وهم الآن يقومون بدور الأدوات كبديل عن الجيوش بما فيها الجيش الصهيوني.

يدرك عدونا اكثر من اي يوم مضى أهمية الإنقسام حول فكرة الهوية الجامعة التي لم يعد النقاش حولها مقتصرًا على النُخب كما كان الحال قبل عقدين الى الوراء، بل بات الجدل عامًّا خصوصًا بعد انتشار وسائل التواصل الإجتماعي.

نحن الآن ضمن مرحلة اصبح العامّة يعتقدون لا بل انّ بعضهم يجزم انّ العروبة باتت عامل تفرقة لا تجميع، وهو أمر صحيح في الشكل اذا ما نظرنا الى الأمور بسطحية، وهو خطأ في المضمون اذا ما قاربنا الأمور بتعمق ودراية.
في سوريا مثلًا بدأت "السوريّة" كهوية تسود عند البعض وهم الفئة الغاضبة ممّا فعله الأعراب تخطيطًا وتمويلًا وتنفيذًا عبر ضخّ الجماعات الإرهابية الوافدة وتمويل الإرهاب المحلي وما نتج عن هذا السلوك من إزهاق للأرواح ودمار فاق حد التصور.

في لبنان ايضًا برز شعار "لبنان أولًا"، وفي العراق وفي كل قطر عربي هناك ما هو "أولًا".
ولو انّ هذه الـ"أولًا" تعمّق الشعور بالوطنية الحقّة والنظيفة لكانت مدخلًا طيبًا الى الأشمل والأوسع والجامع، الاّ انها للأسف تُغرق "الوطنيين" بمزيد من التقوقع والإنعزال وتشكل عائقًا مضافًا امام تحقق فكرة الإنتكاء للهوية الجامعة والحاضنة.

في حقبة ما بعد ثورة الضباط الأحرار وحتى نهاية السبعينيات كنّا في حال افضل لجهة الشعور القومي يمكن القول انها مرحلة صعود للشعور، في حين انّنا الآن في أكثر مراحل هبوط الشعور القومي بسبب الإحتراب والتناحر القائم والذي سيستمر للأسف فترة ليست بالقصيرة.

ويبقى ان ما يحصل ما كان يمكن ان يحصل بدون وجود قابلية لحدوثه، حيث لا يمكن ان نحمّل المخطط كامل المسؤولية عما يحدث بدون الأخذ بعين الإعتبار العوامل الذاتية الكامنة وعلى رأسها تبعية غالبية انظمة الحكم الناشئة بعد تقسيم المنطقة بموجب اتفاقية سايكس – بيكو، وما انتجته هذه الأنظمة من فقر وتجهيل وقمع كانت عوامل مساعدة في تعميم التبعية ببعدها الفكري للأجنبي من حيث مقارنة وضع شعوبنا بوضع الشعوب الأوروبية والغربية، وهو ما شجّع على سرقة العقول عبر الإغتراب والتموضع في الفكر الغربي إضافة طبعًا الى الدور الذي لعبته الحركات الإسلاموية المتطرفة في نشر التطرف، ولا ننسى هنا كيف شجّع الإنكليز حركة الإخوان المسلمين ولا يزالون مع كل فروع الناهب الدولي يحضنون حركات التطرف التي استخدموها ولا يزالون في كل اشكال الصراع، عبر وضع هذه الحركة بمواجهة جمال عبد الناصر في مصر وبمواجهة الحركة التصحيحية في سوريا ومن ثم في الجزائر ليتم فيما بعد تفريخ عشرات الحركات المتطرفة باسماء مختلفة.

هذا الوضع الذي وصلنا اليه نتج من خلال وضع الإسلام بمواجهة العروبة عبر الباس القومية التي تشكّل حاضنًا جامعًا لكل الأعراق لبوس العلمانية الملحدة، وهو ما أثّر تعبويًا في انتاج تيار واسع وكبير بنتيجة الجهل والعمل الدؤوب لـ"الدعاة" الذين بدأوا في مرحلة لاحقة لترويج الفكر التكفيري.

خلال المرحلة السابقة، وفي حين انّ العدو كان يعمل ويفعل كنا نعيش ردّة الفعل ونغرق في مزيد من العاطفية التي لم ينتج عنها الاّ المآسي لمجتمعاتنا ومزيدًا من الغرق في وحول التقوقع والإلغاء ومختصره ما سوّق له محمد بن عبد الوهاب حين قال "من دخل دعوتنا فله ما لنا وعليه ما علينا ومن رفضها فهو كافر دمه مباح".

لم يقتصر الأمر على خلق مسببات التنافر بين العروبة والإسلام وكذلك بين العروبة والمسيحية بل تعداه الى خلق مفهوم الصراع بين الأعراق واختراع مصطلح التعايش، والتعايش يكون بين اناس مختلفين متنافرين الزمتهم الظروف والأوضاع على العيش معًا في حين ان الصحيح هو التجانس والتفاعل الطبيعي بين افراد تجمعهم المُواطنة جغرافيًا والعروبة كهوية جامعة ومفهوم وانتماء.

للحديث عن طبيعة المشكلة نحتاج الى آلاف الصفحات لإستعراض كل ما يرتبط بالمشكلة، ويبقى ان الهدف الاساسي هو ضرب مفهوم الهوية كتاريخ وحاضر ومستقبل وكفكرة جامعة لها الكثير من العناوين، ابرزها كان عندما بدأ البعض في لبنان يدعو الى الإلتحاق بالغرب ومن ثم الدعوة من قبل بعض الفلسطينيين الى تأكيد مقولة القرار الفلسطيني المستقل وما يحدث في هذه المرحلة من شتات ودعوات للإنفصال.

اذا ما ربطنا كل ما يحصل منذ قرن من الزمن بالتطورات يبدو طبيعيًا ان العمل على طمس الهوية يؤدي الى انهاء القضية، وعليه فلا خيارات متاحة حاليًا الاّ الإستمرار في المقتومة وتحقيق الإنتصار والدخول فيما بعد بعملية اعادة البناء التي يجب ان تشمل تفاهمًا على عقد اجتماعي ينطلق من العروبة كحاضن وجامع من خلال الحوار الجاد والموضوعي والإبتعاد عن العاطفية في مقاربة المشكلة التي يمكن وضعها على سكة النهاية اذا ما تأمن لها الشروط اللازمة من التعاون الحقيقي بين المفكرين والخبراء والإعلاميين ووضع اسس متينة لمستقبل واعد بعيدًا عن الخيال والإنتقال من مرحلة الوحدة المنبرية التي لم تنتج الاّ الوبال الى مرحلة الوحدة الإقتصادية والإجتماعية التي تراعي خصائص الجميع، خصوصًا ان شعوب وقوميات المنطقة كانت في حال افضل ما قبل الإستعمار وهو العامل الذي يجب تحقيق الهزيمة فيه وبأدواته كشرط اساسي للدخول في مرحلة جديدة قائمة على التفاعل بين الثقافات والأعراق بما يؤمن للجميع مساحة افضل من التجانس والإحترام المتبادل.*