القُطب غير المخفية في التصعيد الإرهابي

لا يبدو التصعيد الإرهابي في ريف دمشق، وما يستتبعه بالتوازي على الجبهات الأخرى حالة منفصلة عن المشهد السياسي وتداعياته، حيث المعادلات المرسومة تقتضي تنسيقاً تتسابق إليه مختلف أدوات منظومة العدوان، لا يمكن تجاهله، وفي الوقت ذاته لا يستدعي جهداً لاكتشاف حالة الترابط في خطوط المواجهة،

بينما لبحث عن إشغالات جديدة على امتداد الجبهات يمثل موقفاً يرتبط بالحالة الذهنية التي تتركها سلوكيات وممارسات، تمثل فيها أميركا رأس حربة متحركة، لا تشملها قواعد الاشتباك المعمول بها، وإن كانت لا تبتعد عنها بشكل كلي، ولا تنفصل بأي حال من الأحوال عن تداعيات التطورات الميدانية.‏

فالاختبار الأميركي لخطوط التصادم أفقياً، تدفع إلى الجزم بأن المواجهة العمودية القائمة تفترض الاستخدام الكلي لعوامل وأدوات الفعل الإرهابي وتوظيفها، لتكون مشهداً توافقياً، يمسك الخيوط من نقطة المنتصف، ويترك الفسحة متاحة للتحرك على طول تلك الجبهات من دون إيجاد حالة صدام مباشرة، وإذا اقتضت الضرورة خط رسائل متناقضة، تعاكسها إلى حد يعيد المعارك الجانبية التي تفتعلها واشنطن في غير اتجاه، وعلى أكثر من خندق، في محاولة لبعثرة الجهد الدولي في الهوامش الجانبية، بحيث لا تكتفي بإشغال مختلف الجبهات، بل تضيف عليها ما يزيد من حدة المواجهة الإقليمية والدولية بملفات وقضايا ذات بعد خلافي.‏

فالإصرار على طرح قضية التمديد للآلية المشتركة للتحقيق في استخدام الكيماوي، يفتح الباب على مصراعيه أمام حقائق متصادمة، في مقدمتها أن التصعيد الإرهابي، يترافق بتسخين سياسي رغم اليقين بأن لا جدوى منه، ولن يوصل إلى نتيجة، بحكم التمسك بالصيغة الغربية العقيمة والمختلة من جهة، ومحاولة تمريرها عبر البوابة اليابانية مع تعديلات شكلية من جهة ثانية، ويستهدف الدخول في مماحكة سياسية للتشويش على الصورة العامة للمنظمة الدولية وعملها، وخصوصاً أن النتائج والاستخلاصات التي طرحتها اللجنة المشتركة لا تشكل محاباة للإرهابيين ورعاتهم فحسب، بل تعكس صورة في غاية السلبية عن عمل المنظمة، وعن الاتجاه الغربي لتعميم هذه السلبية، بحيث تكون أحد المعايير في الاستهداف السياسي الذي يفتح الباب على جدل لا طائل منه.‏

القطبة المخفية في المشهد كله، تبقى عند الأميركيين الباحثين عن بدائل وخيارات تبدو جميعها تتجه نحو الإفلاس، بدليل أن ما تطرحه في المجمل يصطدم بواقع يفند مختلف المزاعم الأميركية، وأن اللجوء إلى الإرهابيين للتصعيد الميداني على جبهات كانوا يعولون عليها سياسياً، تفضح مجمل الحسابات الأميركية المجتزأة، والتي تعمل عليها بالتقسيط، لتلتقي جميعها عند نقطة مفصلية أساسية، وهي أن الاستثمار في الإرهاب فات أوان الرهان عليه، لتغيير المعادلات السياسية، وهو ما يتضح من سياق التصعيد واعتبارها الحلقة الأخيرة في سلسلة التعويل الأميركي، والتي تجزم أن المعضلة ليست في قُطب مخفية تتعدد أشكالها ووظائفها، وإنما في القُطب غير المخفية، وتحاضر فيها أميركا بعفتها السياسية والأخلاقية.‏

الأدهى من هذا وذاك، ما تروج له واشنطن، وتطبل له في أكثر من اتجاه، وهو غياب سيناريو بديل يصلح ليرتق عيوب السياسة الأميركية، وما تفضحه مداولات مجلس الأمن والاستماتة الغربية بذراعه الفرنسية البريطانية، والاستعانة باليابان ليكون حصان طروادة جديداً، تتكئ عليه المنظومة الغربية في عملية توزيع الأدوار على المسرح العالمي، بينما تتكفل واشنطن وحصرياً بإدارة البيادق والأدوات الإقليمية، لتكون على مقاس المطلوب مرحلياً، وأن التصعيد الإرهابي يشكل جزءاً محورياً من مشاهد التشغيل الإضافي للسعودي والإسرائيلي معه، وبالتناغم الكامل.‏

اللافت أن يكون التناغم بين الأدوات محكوماً بفرضية الاجترار في السياق ذاته، حيث المهمة الوظيفية تستكمل شروط حضورها بالاستنساخ المباشر، وأحياناً بالاجترار المكرر لسيناريو التصعيد الإرهابي، حيث يكون هذا مجرد صدى لذاك، وفي المحصلة محاولة التماس أعذار وإيجاد ذرائع من داخل الحسابات الجزئية والمعادلات الخاطئة ذاتها، حيث الفرق بين تصعيد هنا وتسخين هناك، لا يعدو كونه محاولة يائسة لاستبقاء عوامل التفجير، وتفخيخ مناطق خفض التوتر كجزء من حرب المصادرة السياسية اليائسة.‏

تبقى محاولة استرداد الأوراق المحترقة أصلاً آخر ما في الجعبة الأميركية، لأن التصعيد الإرهابي يبقى محكوماً بأدواته وعوامله الذاتية، ويبقى تحت ضغط الوقت الذي يستنفد مختلف احتمالاته، وخصوصاً حين يستند في مرجعياته المعمول بها أميركياً، حيث القُطب التي جهدت وكافحت وعملت بكل طاقتها لإبقائها مخفية، يميط الفعل الأميركي نفسه اللثام عنها، لتكون الحقيقة المرة أمام المنظومة الغربية كلها، وأدواتها سواء أكان بتصعيد الإرهاب، أم من خلال الفشل في دبلوماسية الصدام التي تخوضها على المنبر الأممي رغم الخداع والتضليل والكذب، أو جاءت عبر الكواليس الجانبية المتخمة من التسويف والمراوغة.‏