مخاض الفضاء العربي

منذ عقود طويلة، لم يجد الفكر القومي ذاته كما هو الحال عليه، ولم يسبق للوضع العربي أن واجه ما يواجهه وسط تموجات سياسية، أربكت مختلف القوى الفاعلة، وسمحت بنفاذ قوى دخيلة استغلت الفراغ الحاصل، وبنت عليه جملة من المعادلات المغالطة للمنطق والواقع،

والمناقضة لصيرورة التاريخ باعتباره جزءاً من حركة مستمرة، تعصف بها مختلف التحديات وتتعرض لمعظم المخاطر المحدقة المعتادة في مثل هذه الظروف.‏

لكن على المقلب الآخر ثمة بصيص يطل من آخر الشفق، يبني حساباته على مخاض الأيام الصعبة والحقب التاريخية التي استطاعت أن تحقق لذاتها نماذج منقحة فكرياً وسياسياً، مع الحفاظ على نصوصها الذاتية التي تحفظ لها خصوصيتها، بحكم أن مجمل المتغيرات والعواصف التي أحاطت بالتجربة، كانت توفر لها في الحد الأدنى خيوطاً كافية للإمساك بالفعل والعودة إلى إحكام ناصية الحضور وتصويب تأثيره.‏

قد لايكون مصادفة، أن يتزامن انعقاد الملتقى العربي مع الاحتفاء بمرور سبع وأربعين سنة على الحركة التصحيحية، ولكنه أيضاً لا يمكن اعتباره الحامل الموضوعي الوحيد والمبرر لانعقاد الملتقى، بحكم أن الحاجة تتجاوز السياق التاريخي، وتضعه أمام جملة من الدوافع الذاتية الناتجة في معظمها على الحاجة التاريخية، وما تفرضه من شروط لإنضاج التجربة، أو لإعادة المراجعة بشمولية مطلقة، لا تبدو فقط بالعوامل والأسباب والشروط، بل تتعداها إلى الصيغ والمفاهيم والمصطلحات.‏

وهذا ما اقتضى إعادة تصويب جوهرية، أساسها إعادة التمسك بالهوية والانتماء وحدود الاتفاق، وتحمل في طياتها عمق الإدراك بضرورة تفعيل قوى التأثير الذاتية وعوامل القوى المجتمعية، حيث هنا لا تبدو الحاجة مجردة من موضوعيتها ولا هي غارقة في ذاتيتها، بقدر ما تؤثر في الوعي الجمعي، باعتباره الحاضنة الفعلية للتجربة وما تقتضيها من إضافات بحكم التطور، وأحياناً بفعل المتغيرات التي حملت سياقاً مستقلاً، كان أحد الحوافز المولدة للمبادرة باتجاه استعادة زخم الفعل السياسي العربي وكينونته التاريخية الممسوكة بعمق التجربة، وبفعل الانتماء الذي كان على الدوام البوصلة الحقيقية للتفريق بين المتناظرات السياسية، حين تختلط الأشياء، أو تشتبه على البعض، وبين الظواهر الآنية العائمة في فضاء التجربة.‏

في حدود الهامش المتاح للفعل العربي، ثمة ضرورة تقتضي الأخذ بمخرجات التجربة التي وصلت في أحيان كثيرة إلى حدود المغالطة في تقييم ما ينتج عنها، وكانت حوامله الأساسية مفرزات الحقبة التي بدت فيها العروبة مفهوماً عائماً وتجربة تختصر السلبيات، وتتجاهل الإيجابيات، ولا تتردد في تحميل الحقبة وزر حقب غائرة، لا ذنب لها فيها إلا المجاورة الزمنية، من دون أن تحتك بمفرزاتها، وما ساقته المصادفات العابرة في التوقيت.‏

من هنا يبقى الفعل العربي بمفهومه القومي محكوماً بتجربته، لكن من دون أن نرجم كل ما نتج عنه، ويبقى تحت تأثير التراكمات التي بدت في أغلبها مشوهة، لكن من غير أن يؤدي إلى رفض السياق الذي خضع لتأثيرات خارجية، كانت المواجهة فيها مختلة لأسباب سياسية، وبعضها بحكم خضوعها لفرضيات الهزيمة المسبقة وحالة التيئيس المنتشرة بكثرة في واقع تغزوه الأقاويل، وتحكمه الافتراضات، وتـأخذ به غياب البدائل السياسية القادرة على إنتاج مشروع حقيقي قادر على خوض المواجهة بأدوات موضوعية، ويخضع في المعايرة السياسية للشروط والظروف التاريخية ذاتها.‏

الفعل العربي استنبط لذاته مشروعاً لم تتوافر له أدوات الدفع، وعجز عن تحقيق المواءمة بين إنتاج مشروع عربي، يأخذ بالحسبان شروط التجربة، ولا يخضع في الوقت ذاته لمعاييره المختلفة سياسياً وفكرياً، وهو ما يفرض العودة بقوة إلى الأخذ بسياق المبادرة لإنتاج فعل سياسي بفضاء عربي، يواكب اللغة المستخدمة، ويستطيع توظيف الإمكانات بمنظوره الحقيقي لا الافتراضي، ويتمكن في نهاية المطاف من تحقيق الإضافة النوعية المنشودة بشروطه الذاتية، وليس بشروط ما تستجرها الظروف، وتمليها تجارب الآخرين.‏

مرة أخرى تحضر التجربة في عمق وجودها العربي، وتستولد عوامل قوتها من رحم المخاض الذي مهد لها فعلياً شروط الاحتفاء بالتصحيح، كفعل قومي يضبط إيقاع التجربة، ويؤهلها للنهوض بالواقع العربي، وخصوصاً في ظل الحاجة الملحة لتكون الحاضن الحقيقي الذي يستطيع أن يؤمن الحد الأدنى من شروط التعاطي سياسياً وفكرياً من التحديات المستجدة، وأن يطلق مبادرته في فضاء عربي يعيد للانتماء مفهومه، وللعروبة معناها، وللقومية نضارتها، عبر مشروع يحاكي الواقع... ويضيف عليه، وربما يأخذ منه مقاربته في سياق التأسيس لمشهد عربي قادر على محاكاة التطلعات المشروعة.‏