الموسيقي العربي : نحو مراجعة نقدية بناءة

الأحد, نوفمبر 12, 2017 - 00:15

البوصلة

هي مراجعة لابد منها ،بعد أن استوطنت لغة التغريب والتقليد الحياة الموسيقية العربية المعاصرة،وبات من العسير على المرء أن يعثرعلى منتوج موسيقي عربي أصيل ،لم يصاب بلوثة التقليد ،أو في أحسن الأحوال لم يتنكر ولو بحدود لعناصر الابداع في الهوية الموسيقية العربية .
-هذه المراجعة النقدية المنشودة ،إن تأخرت أو تأجلت ،فإن النكبة الموسيقية العربية المعاصرة ستمتد وتتعمق ،خاصة إذا ماعلمنا كيف تسود المشهد المعاصر نتاجات البُعد التجاري الهابط ،الذي يسعى القائمين عليه الى ترسيخه وتكريسه كبديل متاح ،للموسيقى الكلاسيكية التي غُيبت وابتعدت لأسباب معلومة ، للحفاظ على تدفق المردود المالي مستمرا ،هذا يفسر الى حد كبير ،تمدد وتوسع الخارطة الاعلامية بحدودها المعولمة المرسومة بخطوط وخيوط الانتاج الرأسمالي سليل هذه المنظومة التي لاتعترف بطبيعة الحال ،إلا بلونها الثقافي الواحد الذي تريد فرضه على الجميع من منطلق استعلائي واستعماري مقنع، فيه الكثير من التعسف والإكراه ،خاصة على تلك الدول الفقيرة النامية التي لاتمتلك الأدوات والرأسمال القوي ،كي تقف في وجه هذه المؤامرة التي تستهدف الموروث الابداعي الشعبي في كافة موسيقات الشعوب ،ومن بينها موسيقانا العربية التي لم تتحصن بدورها من خطر هذه المنظومة الماكرة المخادعة ،فبات الاستسهال والعشوائية والتسرع مذهب أغلب الملحنين العرب ،الذين باتوا يعتمدون في كثير من اعمالهم ،على تجليات وأدوات الآخر المختلف ،بحجة مواكبة العصر والسير في طريق حداثة العولمة ومابعدها ،تاركين كل إرثهم الابداعي الناجز ،عرضة للإهمال والنسيان وبالتالي فقدان الذاكرة التاريخية ،والتعتيم على كل المنجز الابداعي القديم ،والسير في تيه ممتد من الأعمال التجارية التي تهبط بإدراك المتلقي وإحساسه الجمالي وذائقته الى الحضيض ،ولاداعي هنا لذكر الأمثلة على حضورالقبح والرداءة وتسطيح العقل والذائقة في المشهد الموسيقي المعاصر ،فالفضاء العربي العتيد وقنواته التي تتناسل كالأرانب تفصح عن الحكاية كاملة من دون زيف أو تجميل ،هي مأساة أقرب الى التراجيديا الملحمية ،مايحصل للفن الموسيقي العربي اليوم ،حين تذوي عناصر الابداع في الهوية الموسيقية العربية ،في مقابل بعض من فتات ونجاحات وقتية عابرة ،لم تستطع من ترك بصمتها وحضورها في الحياة الموسيقية العربية ،لانها مكتوبة لإرضاء هذا الآخر وكسب وده ونيل بركاته انتاجا ونشرا واعلاما ،في إعادة وحضورمستمر لمقولة المفكر العربي ابن خلدون "في ولع المغلوب بتقليد الغالب " وهي مقولة أثبت الزمن صحتها ودقتها ،حيث يدور الموسيقي العربي اليوم ،في فلك التقليد وشد الرحال نحو الآخر البعيد ،تاركا وراءه إرثاً ابداعيا عظيما ،كان له حضوره وبصمته المضيئة في موسيقات الشعوب ،وهذا ليس بإدعاء أو تشّوف قدر ماهو حقيقة تاريخية باعتراف هذا الآخر المغاير ،وهذا يعني فيما يعنيه أن الموسيقي العربي القديم كان يدرك تماما مغزى ومفهوم المثاقفة والارتحال الحضاري نحو كل مايثري موسيقاه وعناصر الابداع فيها ،في سبيل الوصول الى قواسم انسانية مشتركة ،وكان دائم المساءلة والنقد البنّاء حول كل ماهو ناجز وراسخ ،وكان يعلم جيدا ان المراجعة النقدية المعرفية تساهم بشكل كبير وعميق في تصحيح الأخطاء والعثرات ،والشروع في كتابة موسيقية معرفية تغتني وتكتفي بمنجزها الابداعي كما من تقانات العصر وعلومه الموسيقية المتقدمة ،من دون ان يكون ذلك بمثابة إغراق استعراضي ،في التجديد أو الوقوع في أسر الماضي ومقولاته الذوقية التي لم تعد تتماشى مع روح العصر ومسارات التجديد المغايرة .هي دعوة للعودة الروحية والوجدانيةنحو تراثناالموسيقي المهمل والمنسي الى حد الفجيعة ،دعوة تختصر الطريق الطويل لهذا الموسيقي كي ينطلق بمساره الابداعي الحداثي انطلاقا من هذا الموروث من دون ان يكون ذلك تأبيدا للتحجر والانغلاق بل على العكس ان يكون ذلك فاتحة مظفرة للشروع في كتابة موسيقى عربية للمستقبل ،موسيقى تؤكد على حضورها في مسارات الابداع المعاصر تقرأ الانسان العربي وتكتبه ،تكتب وجعه وحلمه المؤجل وتكون له ملاذا آمناَ من تفاهات العصر ما أكثرها . يقول الدكتور " محمد عابد الجابري " : ...أي أننا سنكون قد " تحررنا " من التراث كشيء يملكنا ،كشيء نحن مندمجون فيه ،لنجعل منه شيئاً نمتلكه .إنها لحظة الوصل ،وصل التراث بنا ،ووصلنا بالتراث ،الشيء الذي سنحقق به الاستمرارية التاريخية وأيضاً،وفي نفس الوقت ،الاستقلال التاريخي .