أحداث غير عادية

في عام 2009، أي قبل عامين من تاريخ اندلاع الأحداث غير العادية في سورية، قام السناتور الايطالي ماريو مورو بزيارة استكشاف سبل التعاون مع كردستان العراق، وأثناء الزيارة لفت انتباه السناتور الإيطالي، نشاط غير اعتيادي في بناء وتجهيز أبنية في كردستان على الرغم من عدم الحاجة لمثل هذه الأبنية الكثيفة، ولما استفسر مورو عن سبب كثرة الأبنية الخالية كان الجواب غير العادي: «إن هذه الأبنية مخصصة لاستقبال الهاربين واللاجئين من الحرب في سورية»، أي قبل عامين من بدء الأحداث غير العادية في سورية، والمرجع هنا: كتاب «عاصفة على الشرق الأوسط الكبير» للسفير الفرنسي السابق ميشال ريمبو والصادر عام 2014.
يضيف السفير ريمبو في كتابه: إن الحرب والأحداث غير العادية على سورية، كانت مخططة وممولة من منظمات أميركية غير حكومية مرتبطة بمركز الاستخبارات الأميركي «سي آي إي» وجهاز والاستخبارات البريطانية «إم آي 6» وذلك تحت اسم «برنامج سورية الديمقراطية».
يضيف ريمبو: إن الأحداث غير العادية على سورية جرت برمجتها منذ عام 2001 أي ما قبل اجتياح العراق وأخذ القرار بالحرب على سورية في عام 2003 بعد الزيارة الشهيرة لوزير الخارجية الأميركية آنذاك كولن باول إلى دمشق ومحاولته فرض شروط أشبه بالتعجيزية على دمشق والتي قوبلت برفض الرئيس بشار الأسد.
يقول ريمبو: إن الشروط التي جاء بها باول كانت أشبه بإعلان استسلام سورية وقطع علاقات دمشق مع إيران، ومنع الدعم والمساعدة عن كل حركات المقاومة في المنطقة وخصوصاً حزب اللـه اللبناني، إضافة لإغلاق مكاتب حركتي حماس والجهاد في دمشق، والتي رفضها الرئيس الأسد معتبراً تلك الشروط تدخلاً سافراً في شؤون وقرارات الدولة وتمس السيادة السورية.
يضيف ريمبو في كتابه: إن مبعوث الرئيس الأميركي باراك أوباما للشرق الأوسط دينس روس والذي عمل أيضا كمستشار خاص لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، كان خلف فكرة إنشاء «المجلس الوطني السوري» وأن كل المعارضة السورية من دون استثناء تدور في فلك أميركا وتركيا وممولة من دول الخليج النفطية.
في الكتاب نفسه يقول ريمبو: إن المعارضة التي اخترعها الغرب وأميركا وتركيا والخليج النفطي انتهت وماتت بفضل صمود سورية الأسطوري، وأردف: إن محور سورية وحزب اللـه وإيران والعراق وموسكو متين جداً ولا يمكن خرقه.
إن أهم ما جاء في الكتاب هو التأكيد انه لو نجح التحالف الإسلامي الإخواني الخليجي الامبريالي في قلب نظام الحكم في سورية، وتمت السيطرة على آبار النفط والغاز فيها، لكان من المؤكد أمر التخلي عن هضبة الجولان لمصلحة إسرائيل وعقد صلح معها، يليها التخلي عن لواء إسكندرون السوري لمصلحة تركيا، ثم سيطرة كرد بارزاني على آبار النفط بالعراق تمهيداً لإعلان الانفصال عن العراق، وبالتالي سيكون من المؤكد قطع العلاقات مع إيران وحزب اللـه وروسيا والصين وإقامة نظام إسلامي في سورية تماماً مثل نظام تركيا رجب طيب أردوغان، موال لأميركا ومتصالح ومعترف بإسرائيل، وبذلك يكون تحقق الحلم الإسرائيلي بالقضاء على القضية الفلسطينية برمتها وإنهاء حق العودة للفلسطينيين وتوطينهم حيث هم.
حدث آخر غير اعتيادي حصل في كانون الأول من عام 2010 حين دُعيت لإلقاء محاضرة في إحدى الدول العربية حول تصور مستقبل الشرق الأوسط في ظل الحركات الإسلامية وبعد الانتهاء من مناقشة محاضرتي التي حذّرت فيها من تنامي خطر الفكر الإسلامي الإخواني المتطرف في الشرق الأوسط جاءني جنرال سعودي متقاعد يدعى أنور عشقي المعروف بقربه من مركز القرار في الديوان الملكي السعودي يسألني عن سبب تجاهل ذكر سورية من بين البلدان التي يتهددها الخطر الإسلامي المتطرف، فكان جوابي إن سورية دولة علمانية تمتلك نظاماً قوياً يؤمن بالمساواة ويعمل على تأمين مصالح الشعب بكل أطيافه ولا خوف عليها.
لكن الجنرال عشقي حينها لم يعجبه جوابي فتوجه إلي بكلام صاعق حيث قال: فليعلم الجميع أننا سنضع كل إمكاناتنا السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية بهدف فك التحالف الاستراتيجي بين إيران وسورية وإن لم تفعل سورية فعليك أن تترقب أحداثاً غير عادية في سورية، حدث ذلك في كانون الأول من عام 2010.
إن الأحداث غير العادية التي شهدتها سورية ولم تزل، تم تجهيزها وتهيئة الظروف غير العادية لها في مطابخ الشر وذلك لإنتاج شرق أوسط غير عادي.
لكن ما خطط له أنتج أيضاً أحداثاً غير عادية لكن بالمعنى الايجابي، فصمود سورية يعتبر حدثاً غير عادي، واستعمال روسيا والصين الفيتو مرات عديدة ضد مشروع إدانة سورية، هو حدث غير عادي، ودخول إيران وحزب اللـه لمساندة سورية عسكرياً وسياسياً واقتصادياً هو حدث غير عادي، أما دخول روسيا بكل ثقلها دبلوماسيا وسياسياً وعسكرياً واقتصادياً لدعم صمود سورية والحفاظ عليها هو حدث غير عادي الأمر الذي أدى إلى تغيير وجه النظام العالمي القديم وترقب ولادة نظام عالمي جديد.
فبعد أن كانت الولايات المتحدة الدولة المتفردة بحكم العالم لا شريك لها، انقلب المشهد وانكفأت أميركا وباتت تبحث عن مقعد لها على طاولة النظام الجديد الذي تولد نتيجة صمود سورية تتشارك فيه مع روسيا والصين وأوروبا وإيران ومجموعة دول البركس وهذا بحد ذاته حدث غير عادي.
أما إسرائيل فبعد أن كانت تبادر لشن الحروب ضد العرب وتخيف شعوبنا، صارت إسرائيل تخاف من أي حرب مقبلة، تخاف من حزب اللـه وإيران، تخاف من صمود الدولة السورية واكتسابها القوة والمنعة شعباً وجيشاً ومؤسسات، وهذا أيضاً حدث غير عادي بالمعنى الإيجابي.
إن صمود سورية الأسطوري بوجه المؤامرة غير العادية، أدى إلى أحداث غير عادية من شأنها تغيير وجه ونظام العالم وأنتجت مجتمعاً عربياً أكثر نقاءً وأكثر تمسكاً بالأرض والهوية وإعادة الحياة للقومية العربية من جديد.