سيناريوهات المواجهة القادمة بين المقاومة و "إسرائيل"

الدخول في توصيف مسرح عمليات المواجهة القادمة بين المقاومة و " إسرائيل "، لا بدّ من التذكير بأن هدف عدوان 2006 ارتبط بأهداف مباشرة أعلنتها القيادة الصهيونية مع بدء العدوان، بذريعة أسْر المقاومة لجنديين صهيونيين حيث وضعت القيادة الصهيونية لائحة أهداف مباشرة هي:

تسليم الجنديين ورفض أية عملية تبادل مع المقاومة وهو الشرط الذي أعلنه السيّد حسن نصرالله قبل يوم واحد على انطلاق العدوان .
العمل على تدمير قدرات المقاومة وخصوصاً سلاح الصواريخ لتأمين الأمان لمستوطنات الشمال .
تهيئة الظروف لتطبيق القرار 1559 ونشْر الجيش اللبناني على الحدود على أساس مضمون اتفاقية 17 أيار المُلغاة وتحويل الجيش اللبناني إلى حرس حدود لـ " إسرائيل " .

أما في الأهداف بعيدة المدى فالعدوان كان بمثابة التمهيد لنشوء الشرق الأوسط الجديد، وهو ما جاء على لسان وزيرة الخارجية الأميركية خلال العدوان ، والذي مهّدت له بكلمتها أمام لجنة العلاقات الأميركية – الإسرائيلية ( AIPAC ) في 23 أيار 2005 .

هذا العدوان الذي كان مقرّراً أن يتم خلال احتفال يوم القدس الذي تحييه المقاومة كل سنة وعجّلت به " إسرائيل " بسبب عملية أسر الجنديين ، كان معدّاً له مسبقاً ، وتضمّن مجموعة من الأهداف كان على القيادة الصهيونية تحقيقها بحد أقصى لا يتعدّى عشرة أيام وارتكزعلى خطّة عسكرية تتضمن :

تنفيذ أوسع عملية جوية ضمن بنك أهداف مُسبَق يضم مئات الأهداف المرتبطة بالبنية التحتية اللبنانية وخصوصاً الجسور وعقد المواصلات الأساسية .
استهداف مقرات المقاومة وحزب الله ومنازل القيادات العليا والوسطى بهدف تصفيتهم لشّل قدرات القيادة والسيطرة لدى المقاومة بهدف تسريع العمليات البرية التي كان مقرّراً أن تصل حتى شمال الليطاني .
تنفيذ عمليات إنزال خلف خطوط الاشتباك المباشرة تتضمّن أهدافاً في البقاع والضاحية الجنوبية هدفها الأساسي خطف وقتل قيادات المقاومة .

المفاجأة الأولى كانت في مستوى التدابير التي اتّخذتها المقاومة بما يرتبط بتنفيذ خطط الإخلاء ، حيث لم يتم تسجيل أي استهداف ناجح لقيادات المقاومة طيلة أيام العدوان .

المفاجأة الثانية كانت في الميدان العسكري حيث تم استخدام أسلحة جديدة ونوعيّة كسلاح المضاد للدروع كال كورنيت وال آربي جي – 29 ، إضافة إلى استخدام صواريخ مضادّة للسفن طراز C-802 التي أصاب أحدها البارجة ساعر ليتم بعدها تحييد سلاح البحرية من المعركة ، وهو أمر حصل مع سلاح المدرّعات الصهيوني حيث تم إحباط خطط اندفاع المدرّعات وتحقيقها لمناورة الالتفاف والتطويق بين وادي الحجير والغندورية ، وتدمير لواء دبابات كامل حوّلتها مفارز المضاد للدروع إلى نعوش متحرّكة .

المفاجأة الأهم كانت في نوعيّة وتكتيكات استخدام الصواريخ والقتال الذي اعتمد على قتال البقعة ، حيث التجهيزات الهندسية للأرض والأنفاق وخنادق الاتصال وشبكة الاتصال السلكية ومستوى القيادة والسيطرة الذي بدا واضحاً من خلال نتائج المواجهة .

ويبقى أن أهم نتائج العدوان هو تحقيق ضربة كبيرة لأصل الفكرة التي قام عليها الكيان الصهيوني وهي الهجرة إلى فلسطين المحتلة ، حيث استطاعت المقاومة عبر عدد لا يتجاوز 1500 صاروخ من طرازات غراد التي لا يتراوح مداها بين 11 و35 كلم وعشرات من صواريخ فجر بمدى يتراوح بين 70 و90 كلم وصاروخين من طراز زلزال سقط أحدهما شمال تل أبيب والآخر قرب الناصرة ، أن تُجبر أكثر من مليون مستوطن على ترك منازلهم والتوجّه إلى وسط فلسطين المحتلة ، وأن تُبقي حوالى مليون آخرين قابعين في الملاجىء طيلة فترة العدوان ، إضافة إلى مغادرة حوالى 120 ألف مستوطن بشكل نهائي إلى البلدان التي أتوا منها .

وبمقاربة للفقرة الأخيرة نرى أن السيّد حسن نصرالله يعلم كما قيادة المقاومة مدى الذعر المتصاعد لدى قيادة الكيان الصهيوني بنتيجة المتغيّرات المفصلية على مستوى ميزان القوى الناتج من مسارات الحرب في سوريا والمنطقة ، فالأمور تتبدّل بشكل متصاعد لمصلحة محور المقاومة مقابل هبوط متسارع لدى حلف أميركا و" إسرائيل " وعليه فإن تركيز السيّد حسن نصرالله على الفصل بين اليهود والصهاينة ودعوة اليهود إلى مغادرة الكيان قبل فوات الأوان ، هو انعكاس للمدى الذي وصلت إليه المقاومة على صعيد القدرات قوىً ووسائط .

في أية مواجهة قادمة سيقاتل الصهاينة بنفس خطتهم السابقة بما يرتبط بالهجوم وسيحاولون تطوير قدرة المناورة وتنفيذ الإنزالات ، والعمل خلف الخطوط وبالطبع الاعتماد على القدرة النارية الهائلة لسلاح الجو الصهيوني لتحقيق أعلى مستوى من الدمار والرعب .

في التفاصيل : ستعمل وحدات الجيش الصهيوني في الميدان من دون استناد لمعلومات استخباراتية دقيقة تتعلق بخطط الإخلاء وإعادة التموضع لدى المقاومة ، وكذلك بالنسبة لمواقع إطلاق الصواريخ الاستراتيجية التي بات عددها لدى المقاومة بالآلاف في حين كان عددها خلال عدوان 2006 لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة .

معادلة الدمار والرعب ستبقى قائمة بالنظر إلى حجم القوة التدميرية للمقاومة والتي ستكون قائمة على التماثل في الاستهداف كما طرحها السيّد حسن نصرالله بشكل متصاعد خلال خطبه ، الضاحية تقابلها تل أبيب ، بيروت يقابلها مفاعل ديمونا وهكذا ضمن بنك أهداف دقيق لدى المقاومة بما يرتبط بالقواعد العسكرية والمنشآت الهامة والحساسة مقابل بنك أهداف مماثل لما حصل خلال عدوان 2006 .

سلاح الجو الصهيوني لن يكون مرناً في أية مواجهة قادمة وسيتعرّض للإعاقة والعرقلة في عمله ، حيث ستكون المفاجآت في هذا الجانب مدوّية وغير مسبوقة سواء باستهداف الطائرات مباشرة أو من خلال استهداف مدارج إقلاعها .

في البحر كما في الجو بات الصهاينة متأكدين من امتلاك صواريخ ياخونت التي بإمكانها إغلاق المجال البحري الصهيوني بكامله وإعاقة عمل كامل الأسطول البحري الصهيوني الحربي والمدني ومحاصرة الكيان بشكل تام .

في البر سيحاول الجيش الصهيوني تنفيذ إنزالات تقطيع أوصال ضمن البقاع اللبناني في مناطق يعتبرها صديقة ولكنها ليست كما يعتقد قادة الجيش الصهيوني ، وإن كان بإمكانهم إنزال جنودهم فلن يكون بإمكان حوّاماتهم العودة لانتشالهم .

المواجهة القادمة ستحمل الكثير من المفاجآت وستكون بكل تأكيد مرحلة التأسيس لزوال الكيان الصهيوني إن لم تكن فعلاً مرحلة الزوال ، خصوصاً إذا ما استمر الخط البياني لمحور المقاومة بالصعود ووصل إلى مرحلة كسْر ميزان القوى وليس معادلته