إعدام فرص النجاح!

في الأزمات الكبرى التي تتعقد إلى حدود يتعاظم معها التهديد بتسارع كبير يُبنى عادة على التراكمات الناتجة عنها، وعلى حالة التشظي التي تفرضها، وحال التشتت التي ينتج عنها تلقائياً حالة فقدان التوازن التي يكون أبرز ما يُميزها عدم التركيز الذي يؤدي بالضرورة إلى فقدان السيطرة..

 

في هذا النوع من الأزمات الكبرى والمُعقدة غالباً ما يعود المجتمع، الأسرة، السّلطة السياسية، للعقلاء، الحكماء، مجموعة المُستشارين، لأخذ الرأي والاستئناس به، للتصويب، لتخفيف الضرر الماثل والمُحتمل، لتوفير مخارج آمنة، وربما لتحقيق كل ذلك.‏

هل يوجد عقلاء أو حكماء في أميركا اليوم؟ وهل سيعود مجتمعها إلى مجالس الحكماء بحال توفرها بحثاً عن مخارج آمنة من سلسلة الأزمات المعقدة التي يعانيها؟ والأهم من تسجيل الأميركيين العودة من عدمها لعقلائهم ربما يكمن في وجوب قيامهم بالبحث عن طبيعة هذه الأزمات، وعن أسباب نشوئها، ومُلامسة حجم مسؤولية إداراتهم المُتعاقبة عن صنعها؟.‏

حتى الآن لم تكتمل دوافع الانتحار السياسي لدى الإدارة الأميركية الحالية كخيار لا ثاني له، يوفر لها خروجاً آمناً من أزمات، هي وسابقاتها مَن صنعها وأنتجها، ربما لتتساوى أميركا مع العالم في المعاناة من تداعياتها، لكن من الواضح أنّ واشنطن تعيش حالة فقدان التوازن ومرحلة عدم التركيز، بدليل أنّ تحسس وتلمس مقادير الطيش الأميركي التي يعكسها مُسلسل الحماقات المُرتكبة صار أمراً لا يحتاج امتلاك ذكاء حاد أو نباهة فريدة، العالمُ أجمع يتحدث عن سياسات أميركية حمقاء طائشة حول العالم.‏

واقعياً ربما تتساوى المصلحة الأميركية مع المصلحة الدولية لجهة المساهمة بالحؤول دون اكتمال أسباب ودوافع الانتحار الأميركي، ببساطة لأن انتحاراً تذهب لخياره إدارة ترامب لن يودي بترامب وحده، ولن يُفكك أميركا أو ينحرها بمُفردها، بل سيتأثر العالم كله، الشرق والغرب، على نحو كارثي، وإنّ في منع أميركا من التقدم نحو مزيد من عدم التوازن الذي قد يدفعها للانتحار خدمة للإنسانية جمعاء.‏

بهذه الحالة لا تبدو حاجة أميركا لمجلس عقلاء حكماء تعود له أقل من حاجة العالم لامتلاك مجلس نظير يُساعدها على التحرر من الصهيونية التي تأسرها، يُحررها من فوائض الشر لدى قادتها المُتصهينين، ويحميها من نفسها ومما تكتنزه من عوامل قوة تعبث الصهيونية بها، ولا يخفى أنها عناصر قوة كافية لتدمير العالم عدة مرات.‏

يمتلك العالم إرادة العمل مع أميركا، وتُبدي الأطراف الدولية الجاهزية للتعاون معها من أجل السلام والأمن والتنمية والازدهار، غير أنها ترفض مُلاقاتها في منتصف الطريق وتستفزها بحماقات إضافية تعدم فرص النجاح ولا تُبقي احتمالاً واحداً له يجعل أميركا تنتصر لمصالحها العليا، تُسخر تفوقها لمزيد من التنمية والرفاهية لا لمزيد من القتل والحرمان والتعسف والعدوان وافتعال المشكلات وصناعة الأزمات؟.‏