التجريب العبثي!!

حين تحضر النزعات الانفصالية يغدو الترابط المريب في الأحداث الإقليمية وإسقاطات توظيفها دولياً قادراً على قطع الشك باليقين، لكنه لا يحسم نهائياً الجدل حول أولويات المرحلة القادمة، ويترك الباب موارباً على تداعيات لا تنتهي،

وفي الحد الأدنى ينهي أو يلوّح بانتهاء الجولة الأولى من معركة التقاطعات القائمة مع ما فرضته من تعديل في قواعد الاشتباك، وما أملته من صياغات جديدة لا تتطابق مع ما سبقها.‏

فإذا كان من شبه المحسوم أن الجولة الأولى من معركة الانفصاليين في العراق انتهت إلى حيث لا يريدون ولا يرغبون، فإن الأكثر حسماً أن المعركة في الرقة تتجه إلى حيث لم يكن يتوقع الأميركيون ومن معهم، حيث النهايات الاحتفالية لا تشي بأن ثمة فارقاً في السياسة يمكن أن تتكئ عليه، ولا رصيداً إضافياً في الميدان يمكن أن تعوّل عليه، بدليل أن الكثير من المتغيرات التي كانت ترسم تمنيات تشبه السياق الذي أنتجها انتهت قبل أن تبدأ، وفي بعض الأحيان كانت أشبه بتورمات سياسية اقتضت الضرورة الإقليمية تقليمها والحد من استطالاتها المرضية.‏

في جردة الحساب أن المشروع الانفصالي لم يكتب له أن يرى النور، وأن ما كان يتم التحشيد السياسي له انتهى هو الآخر إلى حيث تقتضي الضرورة أن يتم سحبه من التداول، أو على الاقل تأجيل وترحيل ما يفرضه من إجراءات أو خطوات، لكنه لم يسحب التداعيات التي ارتسمت، وهي تدخل مرحلة التجاذب، التي لا تقتصر على العوامل الداخلية بقدر ما ترتبط بعوامل خارجية وحسابات ومعادلات، أقلها في هذه المرحلة الدور الإسرائيلي والرافعة السياسية الأميركية بسياقاتها المختلفة، حيث تشهر أوراقها المتبقية كجزء من حالة الابتزاز، وأن التجربة على ما فيها من عيوب ونواقص احتفظت بالبذرة الأساسية، وهي قابلة لإعادة الطرح والزرع حين تتهيأ الظروف لذلك.‏

الحسابات الانفصالية والمعادلات التي نشأت على أساسها تشي بأن انتهاء الجولة الأولى لا يعني الانكفاء أو تعديل الأجندات، بقدر ما هو تعديل في التوقيت، حيث المؤشرات المادية والحسية تشير إلى أنها تتحضر لجولات إضافية من الطرح السياسي، لا تقتصر على ما يجري تداوله من مساومات يُراد لها أن تفضي إلى تسويات مؤقتة، وإنما تشمل مجموعة من البدائل اللاحقة التي تستنفر من خلال منظومة داعمي الانفصال بالتنسيق مع بقايا ونتف تناثرت من تشظيات المشهد، بحيث تشكل قاعدة تتكئ عليها في سياق المبازرة السياسية، بدليل أن المواقف الغربية التي بدت متأرجحة في التحذير من التداعيات عرضت خدماتها لتكون طرفاً في وساطة لن تثمر ولن تنتج إلا بالعودة إلى المربع الأول، ولتبقى الأزمة جرحاً نازفاً ومؤلماً للعراقيين، وباباً يستجرّ التدخل الخارجي، أو في الحد الأدنى الإبقاء عليه مفتوحاً يتبارى وسطاء الغرب ومن معهم في المحاصصة السياسية وغير السياسية عليه.‏

الذريعة ذاتها بتلونها الإرهابي تستخدم.. رغم اليقين الأميركي بأنها باتت مستهلكة، ولا تصلح حتى شماعة للتصيد السياسي في مناخ دولي ضاغط يفقد المشروع الغربي بشقيه الإرهابي والانفصالي مسوغاته ويفتقد قوة الدفع، ويجرده من حوامله السياسية، بحيث يصبح في مرحلة قادمة عبئاً يثقل على السياسية الأميركية وخياراتها التي تنحو نحو التصعيد على المستوى العالمي بصورة لا سابقة لها، ولا طاقة للمؤثرات الجانبية الصاخبة والتصريحات الملتوية في السياسة الأميركية على تحمّل تبعاتها كنافذة للهروب نحو الأمام.‏

على الضفة الموازية كانت التداعيات ترسم خطوطاً تتقاطع عند النقاط الأساسية في المعركة المفتوحة، سواء بدت جولتها الأولى محسومة أم بقيت بعض فلول المواجهات فيها مفتوحة على حالة الاستنزاف السياسي، وهو ما يؤسس لرؤية قادمة تستدعي الحذر من التجريب الأميركي، وعبث أدواته وبعض مرتزقته، ليمتد الجرح في المنطقة أبعد من تلك المساحات التي يشغلها، حيث القضية ليست في مقاربة شعاراتية أو إعادة الضخ في النزعات الانفصالية المشبوهة والتجريب العبثي في أعراضها المرضية، بقدر ما تتشكل على خطوط المواجهة وامتداداتها جغرافياً وسياسياً، بحيث تبقي المنطقة على خطوط الاشتعال والمواجهة حتى إشعار آخر.‏