دمشق تهزّ العصا، والكرملين يستعد للحرب.

واشنطن التي تسعى منذ عقود للسيطرة على منطقة المشرق العربي، وجدت نفسها في مأزق مركب: أوضاعها الداخلية المتردية التي إنعكست ضعفاً وتردداً وتآكلاً في "دورها الدولي"، والمسرح الدولي وما يشهده من عودة القطب/الأقطاب المنافس؛ روسيا والصين وحلفائهما، وحالة إستعصاء يواجهها مشروعها لإسعاف إمبراطوريتها بالسيطرة على نقاط "الإرتكاز الدولية"، وخاصة المشرق العربي بكل ما يحويه من ثروات في باطن الأرض وفوقها وعلى ترابها... والذي لو نجحت فيه لكان لها بمثابة "إكسير الحياة" القادر على منحها عقود وربما قرون أخرى من السيطرة والهيمنة على مقادير العالم ومفاصل حياته، والمزيد من النهب والسرقة لترميم بنائها الداخلي وتماسكه... في التجلي الأخير لمشروعها الإسعافي "الربيع العربي" ظهرت الصبغة "الكردية" لتطغى على بقيّت المكونات، بعد أن إستنفذت مقولات مثل "الشعب يريد" وثورات "القبائل والعشائر" وصولاً إلى "ثورة أهل السنة" على التهميش والظلم "الشيعي-الفارسي"، ليتم تمرير إنتاج داعش من مختبرات الموساد و"CIA" و""MI-6 ومخابرات آل سعود... وصولاً إلى الحضور الأمريكي المباشر في ذات النقاط التي "نَشرت" فيها داعش، لترث ما تطرد منه، وتنقذ ما يمكن إنقاذه من مشروعها المتداعي بذاتها وبأداتها الجديدة، المليشيات الإنفصالية الكردية... من هنا، يحق طرح التساؤلات التالية لتكون موضوعاً لهذا المقال: لماذا وقفت روسيا في وجه "الربيع العربي"؟ ما هو موقع ومصير المليشيات الإنفصالية في هذا الصراع، وهل ستشارك موسكو في الحرب ضدها لو وقعت؟. أين ستكون وجهة الصراع القادمة، ومن هي أطرافه؟.

* بوتين، وجه من رخام، وقلب قاتل:

هكذا وصف عدد من الساسة الغربيين وجه الرئيس الروسي بوتين وقلبه، ليس لأنه هكذا؛ بل لأنه لم يكن مطابقاً "للمواصفات الغربية"... مواصفات مكنت مثلاً، سبعة من اليهود المتصهينين –خلال حكم يلتسين- من تشكيل "المجلس اليهودي-الروسي" العام 1995، وكانوا يملكون 70% من ثروة روسيا، ويمسكون بمفاصل الإعلام والنفط والغاز والمصارف والصناعات الثقيلة... ولم يكتفوا بذلك؛ بل مدّوا أعينهم إلى الكرملين للسيطرة عليه... حيث سيطر مثلاً ميخائيل خودوركوفسكي على العملاق النفطي"يوكوس"، بينما سيطر "بوريس بيروزوفسكي" على شركات ضخمة لقربه من عائلة يلتسين من بينها شركة الطيران الروسي "أيرو فلوت"، وتربع "فلادمير غوزنسكي" رئيس المجلس اليهودي-الروسي على إمبراطورية الغاز والإعلام... بلغ الصراع أوجه بين بوتين وتحالفه الواسع في الجيش والأجهزة الأمنية والتيارات القومية والطبقات الشعبية... مع هذه القلّة القليلة من المتنفذين وفاحشي الثراء في العام 2002، حيث ظهر بوضوح التناقض الذي لا يمكن حلّه بين زمرة تريد روسيا ضعيفة، وتحديدا بلا جيش قوي لتستمر متفردة بالسيطرة، ولتحافظ على مصالحها التي ترتبط بالغرب دائماً. باغتهم بوتن، قبضت السلطات على بعضهم وهرب البعض الآخر، ومنهم من لجأ بجواز سفر "إسرائيلي" إلى أوروبا وأميركا وكيان العدو أمثال فلادمير غوزنسكي... وللتذكير، ربع غاز أوروبا وثلث نفطها يأتيان من روسيا... كانت الغصة كبيرة لرجل جاء من مدينة "الإسكندر الأكبر" مُجدّد الإمبراطورية الروسية، وهو يدرك تماماً مقدار الإختراق الغربي الهائل لروسيا ومؤسساتها، وحجم الهجمة عليها والإستخفاف بالتعامل معها... حتى أن أسطول البحر الأسود كانت أوكرانيا تسرقه بالقطعة لتأخذ ما تسرقه مباشرة إلى معامل الصهر لإعدام سفن الأسطول السوفيتي وتاريخه.
دخلت عناصر القوة السوفيتية في سبات عميق لتدخل مرحلة الإنهيار شبه الشامل، ولولا3500 صاروخ استراتيجي مزود برؤوس نووية لما بقيت روسيا قائمة. كان التفوق الغربي كاسحاً في كل شيء تقريباً، فأضطرت موسكو لمجارات الغرب في كثير من النقاط الساخنة، حتى في ظل حكم الثنائي بوتين-مدفيديف... بالرغم من ذلك، نشرت واشنطن منظومات الإنذار المبكر والأنظمة الصاروخية المضادة للصواريخ في أواسط أوروبا وعلى الحدود مع روسيا في بلغاريا ورومانيا والتشيك وبولندا... لإطفاء تهديد هذه الصواريخ بحلول العام 2020، وتركيع روسيا باحتكار القوة النووية كما كان الحال في الحرب العالمية الثانية. مع إستعادة شركات الغاز والنفط والصناعات الثقيلة والتكنولوجية... من أباطرة المال الغربيين والصهاينة، بدأت عجلة الإقتصاد الروسي بالدوران، وكان القرار بإستعادة "هيبة" الكرملين موجوداً. مثّل خطاب الرئيس بوتين في قمة ميونخ 2007، نقطة التحول في سياسات موسكو الخارجية:"ما هذا العالم الأحادي القطب، مهما قمنا بتجميل المصطلح، فالأمر يعني أننا أمام مركز واحد للقوة والقرار، إنه عالم ذي ملكية فردية وبزعامة واحدة... أنا على قناعة بأننا اقتربنا من النقطة الحرجة حيث يتوجب علينا بجد التفكير ملياً بشأن كل بنيان الأمن العالمي...". دخل الجيش الروسي في عملية تحديث واسعة جداً طالت كل شيء... واستمرت المفاجئات الروسية في برامجها الصاروخية القادرة على تجاوز هذه المنظومات، والقفزة التقنية الهائلة التي مكنتها من تجاوز واشنطن والنيتو في الأسلحة التقليدية: الدبابات والصواريخ والغواصات... وحتى عوالم الحرب الإلكترونية، ما أدخل واشنطن والغرب عموما في حالة من فقدان التوازن عبر عنها السيناتور ماكين مؤخراً عندما طلب من ترامب أن لا يلتقي بوتين إلا بعد إستعادة التوازن الاستراتيجي المختل لصالح موسكو بقوة.
لم تدخل دبابات النيتو لاحتلال الأراضي الروسية ومجالها الحيوي في جمهوريات الاتحاد السوفيتي، ولكنها "غزت" الحديقة الخلفية لموسكو عبر الثورات الملونة: وردية في جورجيا، وبرتقالية في أوكرانيا... فكان لزاما على بوتين وقف قطار الثورات الملونة قبل أن يصل موسكو ولو بالقوة... لذلك كان بوتين وإدارته من أجدر الناس على تفهم أهداف خدعة الثورات الملونة وآخرها "الربيع العربي"... من هنا تبدأ الخطوة الأولى لفهم حقيقي للموقف الروسي من الحرب على سورية.

أين الحرب القادمة، وما هو الموقع الروسي فيها؟.

إستمراراً لثوراتها الملونة، ما تدعمه واشنطن في شمال العراق، وتقوم به في شمال وشرق سورية حيث السيطرة الكردية، يمثل جوابها الخاص على تساؤل: كيف سيكون شكل سورية والعراق والمنطقة بعد داعش...؟. ما زالت آليات الدفع للمقايضة الكبرى –حسب تسريبات واشنطن تايمز وشبكة سي.إن.إن- التي بحث عنها جون كيري مستمرة:" تنظيم داعش كان يزداد قوة ويهدد بالتمدد نحو دمشق وأبعد منها، تابعنا ذلك، ورأينا أن داعش بات يكتسب زخما وقوة، لقد ظننا أننا بإمكاننا إدارة الأمر وأن الأسد سيتفاوض حينها، لكنه بدلا من أن يتفاوض معنا لجأ إلى الرئيس الروسي بوتين لدعمه... إن الأمر معقد للغاية". يبدو بأن الأمر اليوم أكثر تعقيداً، على واشنطن وأدواتها التعامل مع قائمة أكثر خطورة واتساعاً من التحديات، حيث يطرح تصور "المنطقة ما بعد داعش" تحديات جديّة كونها المهيمن على المنطقة والعالم... واشنطن لم تعد مجبرة فقط على دعم المليشيات الإنفصالية الكردية المخففة بـ"قوّات سوريا الديمقراطية" والتي باتت تلعب ذات الدور الذي لعبته داعش في لعبة الضغط من أجل إجبار الخصم على التفاوض؛ بل عليها دعم منظومة كاملة من الهياكل والأنظمة المُهدّدة بوجودها... وفي مقدمتها الكيان الصهيوني. كما حضرت واشنطن بذاتها لإدارة وحماية داعش، تقوم اليوم بحماية الإنفصاليين الأكراد، خصوصاً وأن خطوط السيطرة بينها وبين سورية وحلفائها باتت متقاربة جداً... ولكن السؤال الأعمق يبقى عن الهدف من إدارة حركة داعش ولاحقاً المليشيات الكردية، وما هو "السرّ" الذي لم تبُح به واشنطن لوقف الحرب على سورية؟. بصراحة، هناك عنصران أساسيان خلف إدارة التفاوض بالإرهاب تارة والتهديد بالتقسيم تارة أخرى: إقليمياً؛ الكيان الصهيوني، ومستقبل الغاز والنفط... ودوليّاً؛ تثبيت تفرد واشنطن في إدارة العالم.
في منتدى الحوار الدولي "فالداي" المنعقد في "سوتشي" 22-24/10/2014، تحت عنوان:"النظام العالمي: لعبة بقواعد أم بلا قواعد"، قال بوتين بكل وضوح وقوة:"آن الأوان لبحث القواعد الجديدة التي لا يُمكن أن تضعها الولايات المتحدة وحدها بما يحقق مصالحها دون الآخرين...الحرب الباردة انتهت، ولكنها لم تنته بعقد سلام، وباتفاقات واضحة وشفافة حول التقيد بالقواعد الموجودة، أو وضع قواعد ومعايير جديدة. فتشكّل انطباع، مفاده أن ما يسمى منتصرين في الحرب الباردة، قرروا الضغط لإعادة تشكيل العالم وفق مصالحهم حصراً".
للمرة الأولي في تاريخ الكيان الصهيوني، أقامت أمريكا قاعدة عسكرية دائمة رسمية فيه، وهي قاعدة للدفاع الجوي في قلب صحراء النقب. الكيان الذي خُلق ليضمن مصالح لندن ثم واشنطن وحلفائهما، بات اليوم في حاجة لمشغله لضمان أمنه... وما هو مطلوب من الإنفصاليين –أي كانت هويتهم وإنتماءاتهم- توفير مادة للمقايضة والمساومة أو الإستنزاف وفرض التقسيم. روسيا كما سورية وحلفائها، لن يرضوا بأن تصوغ واشنطن لوحدها القواعد الجديدة لعالم الغد. المواجهة حتميّة إذا إستمرت واشنطن رفضها التنازل عن أحلامها الإمبراطورية، وعن "بلطجة" أدواتها لإقليمية.
ماذا يعني مصرع قائد الجيش الخامس الروسي الفريق فاليري أسابوف على ضفاف الفرات؟ ولماذا يُقتل قائد اللواء61 للمشاة البحرية بأسطول الشمال الروسي، العقيد فاليري فيديانين؟ هؤلاء وألآف غيرهم، ماذا يعني وجودهم هنا، وهل حقاً جاءوا لمحاربة داعش والقاعدة فقط أم لإرساء قواعد نظام دولي جديد والذي قد يتضمن مواجهة مع واشنطن ذاتها وزعرانها في تل أبيب؟. لا يمكن ترك عالم الغد لواشنطن ولو تطلب ذلك مقارعتها ومقارعة تل أبيب... 21/10/2015، إنتهى الجدل بشأن سوريّة عندما استقبل الرئيس بوتين الرئيس بشار حافظ الأسد في الكرملين المتعافي، وبدأ العمل لرسم مستقبل المنطقة، وما صواريخ الأمس إلا البداية. لا تضيعوا البوصلة، البقيّة محض أدوات، والحرب على سورية أصبحت حرب على شكل عالم الغد... ألم يقل بوتين ولافروف ذلك حرفياً ذات مرة: إن شكل العالم يتوقف على الشكل الذي تنتهي عليه الأزمة في سورية؟.