صفحة مشرقة في التاريخ المعاصر..قواتنا المسلحة سددت ضربة قاصمة لتبجحات إسرائيل وغطرستها

السبت, أكتوبر 7, 2017 - 22:45

البوصلة

 قبل حرب تشرين التحريرية عاش الكيان الصهيوني نشوة الانتصار التي حققها في حرب حزيران عام 1967 جعلته يعيش حالة من الزهو والغطرسة والاستهزاء بالإرادة العربية والدولية وأن يحيط نفسه بهالة من العظمة والقوة التي لا تقهر والحدود الآمنة التي يصعب خرقها.‏‏‏‏

والمتتبع لأسباب انتصار إسرائيل في عدوان حزيران 1967 يرى الأمر مرتبطاً بجملة من العوامل على رأسها ليس القوة الذاتية لهذا الكيان بل هو ضعف العرب وتفككهم والإحباط النفسي والفكري ودور الرجعية العربية المتواطىء.‏‏‏‏

إضافة إلى السعي الدائم للإدارة الأميركية كي تبقى إسرائيل العصا الغليظة في المنطقة للحفاظ على مصالحها وهيمنتها المطلقة على الشرق الأوسط ولذلك نرى التهافت الأميركي اللا محدود للحفاظ على أمن إسرائيل وحمايتها مهما تطلب الأمر من مواقف حادة وداعمة ولذلك اعتادت إسرائيل أن تتحدى الإرادة العربية.‏‏‏‏

من هنا كان لا بد للعرب من مواجهة هذا الاستهتار والتحدي الإسرائيلي الذي يتهمهم بالعجز عن تحرير بوصة واحدة من أراضيهم وأنهم شعوب تنسى وتستكين للأمر الذي دفع بالعرب إلى رفض هذه التحديات والتداعي من جديد لمواجهة العدوان والعمل على تحرير الأرض العربية المحتلة وإزالة آثار العدوان فكانت حصيلة اللقاءات والمشاورات العربية والتحضير والإعداد لحرب الانتصار والتي تجلت في خوضها بعد استكمال شروط تنفيذها وحشد كل الطاقات المادية والبشرية لخدمة الحرب.‏‏‏‏

يقول السيد العميد الركن المتقاعد سعيد عيسى أحمد: حرب تشرين التحريرية في 6/10/1973 مثلت نقله نوعية وتحولات مهمة في مواقف الأمة العربية ولتشكل أروع صفحة من الصفحات المشرقة في تاريخ العرب المعاصر وشكلت أيضاً هذه الحرب المفاجئة ضربة قاصمة لتبجحات إسرائيل وغطرستها والتي أفصحت عن رسائل واضحة للعرب كي يفهموا أن أراضيهم لن تعود بالطرق الدبلوماسية أو بالتقرب من أميركا والارتهان لسياستها وإن خريطة المنطقة لن تعود إلى ما كانت عليه قبل(5) حزيران لذلك جاءت حرب تشرين التحريرية في السادس من تشرين الأول عام 1973 بعد تحديد الأهداف والغايات والتي تمثلت بالهدف السياسي الأساسي وهو تجاوز آثار العدوان وتحرير الأرض المحتلة وقد احتاج هذا الأمر إلى نشاط مكثف من العمل السياسي والدبلوماسي لعزل إسرائيل وتصفية الخلافات العربية وتدعيم العلاقات مع دول العالم وتحريك المجتمع الدولي لخلق بيئة مناسبة لحل سياسي شامل للقضية العربية المركزية.‏‏‏‏

تصدع نظرية الأمن الصهيوني‏‏‏‏

وهدف عسكري استراتيجي للقوات المسلحة هو توجيه ضربة قاسية لجيش العدو الصهيوني في هضبة الجولان وسيناء وفرض الحل السياسي العادل والشامل وقد أظهرت مجريات الأعمال القتالية للقوات العربية في الأيام الأولى للحرب مؤشرات هزيمة إسرائيل وتداعي هذا الكيان الذي ليس بمقدوره البشري والجغرافي والاقتصادي تحمل أعباء الحرب المادية والبشرية وحماية نفسه ولولا التدخل الأميركي المباشر واللحظي لوصلت إسرائيل إلى حافة الهاوية والمتتبع لتصريحات قادة العدو وأركانه يرى أي قرارات كادت أن تؤخذ على خلفية الهجوم العربي وطلبات المساعدة والاستغاثة من هذا الزلزال القادم.‏‏‏‏

يقول السيد العميد المتقاعد سعيد عيسى أحمد: لقد كانت حرب تشرين التحريرية حقيقة ضربة موجعة لاستراتيجية العدو الصهيوني ولنظرية الأمن الإسرائيلي وعلامة بارزة في تلاقي مشاعر الأمة ووحدة جهودها وتضامنها لإلحاق الهزيمة بإسرائيل وقد شكلت هذه الحرب مقدمة موضوعية لجملة من النتائج شكلت تحولاً جوهرياً في قضية الصراع العربي الإسرائيلي حيث بلغ التضامن العربي درجات طيبة أثناء الحرب تجلى في المشاركة العربية في القتال إلى جانب دول المواجهة واستثمار الموارد الطبيعية في معركة المواجهة (سلاح النفط).‏‏‏‏

وانهيار المبدأ العسكري الذي ينطلق من أن إسرائيل تملك الإمكانية والقدرة على توجيه الضربات للبلدان العربية في الزمان والمكان المناسبين وأظهرت الإنسان العربي والجندي العربي على مستواه الجيد في خوض الأعمال القتالية واستخدام السلاح الحديث والمتطور هذا التحول الخطير شكل قلقاً لإسرائيل وعندما لاحظت إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة الأميركية.‏‏‏‏

هذه التحولات المفاجئة بأن العرب استعادوا بعضاً من وعيهم القومي وتعاظمت لقاءاتهم واتخذوا قرارات في مواجهة العدوان والحرب عليه وأن هذه اليقظة العربية تمثل تحطيماً لحلم إسرائيل الكبير وتقليص لطموحاتها وإمكانياتها وانكماش مشروعها الخيالي إلى دويلة منعزلة ومطوقة ولهذا بدأ نشاطها بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية لتطويق حالة النهوض العربية وإجهاض كل هذه المكونات والمقومات التي يلتقي حولها وعليها العرب فكان لا بد من التحرك على اتجاهين أساسيين طمس نتائج هذه الحرب ومنعكساتها السلبية على استراتيجية الكيان الصهيوني العسكرية والأمنية.‏‏‏‏

وأضاف السيد العميد: وصلت إسرائيل للإقرار بأن خطها البياني بدأ ينحني وأنها لن تكون قادرة على خوض حروب مقبلة مع العرب وأقصى ما تقوم به حرب محدودة هنا أو هناك فهذه القوة التي تدعيها إسرائيل بدأ ينكشف جوهرها.‏‏‏‏

الاستراتيجية الصهيونية لنسف التضامن العربي‏‏‏‏

ولذلك وبعد انتهاء الحرب ووقف إطلاق النار وضعت إسرائيل رؤية لسياساتها المقبلة تجاه العرب وجيوشهم وقدراتهم ومستقبل العلاقات البينية بينهم.‏‏‏‏

يقول السيد العميد إن هذه التطورات جاءت على خلفية الحرب والمكاسب المعنوية التي ربحها العرب سواء على الصعيد الذاتي أم العربي أم العسكري جعلت أميركا وإسرائيل تركزان الجهود على أهداف أساسية.‏‏‏‏

- ضرب التضامن العربي وتحويل الصراع من عربي صهيوني إلى عربي عربي.‏‏‏‏

2- تيئيس العرب من إمكانية تحقيق أي نصر مستقبلي.‏‏‏‏

- وضع مشاريع ومؤامرات متنقلة في البيئة العربية.‏‏‏‏

وقد تجسد التحرك الأميركي الإسرائيلي في الواقع العربي بالمظاهر التالية‏‏‏‏

- العمل على فصل الجبهات العربية في عملية الصراع واحتواء النظام المصري وإخراجه من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي وإنهاء التضامن العربي وخلق العراقيل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحول دون عودة العرب إلى وعيهم وتحقيق شكل من أشكال التعاون والتنسيق عبر ضرب مرتكزات هذه اللقاءات أو خلق النزاعات والاستفراد بكل دولة على حدة وتفكيك البنى الاجتماعية والثقافية وصولاً إلى تفكيك الدولة القطرية لما تمثله من خطر مقبل ووجودي على الكيان الصهيوني.‏‏‏‏

وأضاف: لتحقيق ذلك عمدت أميركا والكيان الصهيوني إلى مجموعة من الخطوات:‏‏‏‏

1- عقد اتفاق فصل القوات مع مصر لعام 1974 واتفاقية سيناء عام 1975 واتفاقية كامب ديفيد 1978 واتفاقية السلام مع مصر عام 1979 وقد رافق ذلك الأمر حالة تفكك في الموقف العربي والتراخي في متابعة المواجهة لما يعني أن وهج حرب تشرين بدأ يتلاشى ويختفي في اندفاعات العرب تجاه التفاعل مع الواقع والحقوق العربية لا بل بدأ البعض بمسايرة السادات في سياسته المنفردة والبعض اعترض على وقف القتال.‏‏‏‏

2- إثارة الاضطراب وعدم الاستقرار في الواقع العربي تمثل في اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975 والتي جاءت لتجهض نجاحات ونتائج حرب تشرين ومحوها من الذاكرة العربية والتغطية على اتفاقات السلام وتحريرها وتحويل لبنان إلى مختبر لتصير الفتنة الطائفية والحروب المحلية وإيقاع المزيد من التفكك في الواقع العربي وإشغال الجيش العربي السوري في المشكلة اللبنانية واستنزاف قدراته وحرف مهامه باتجاهات أخرى لأن هذا الجيش ما زال يشكل مصدر القلق الأساسي لإسرائيل.‏‏‏‏

3- ممارسة الضغط السياسي والنفسي والاقتصادي على الدولة السورية وتحرك عملاء الداخل من الإخوان المسلمين بغية إرباك الساحة الداخلية للدولة السورية وإشغال جيشها عن مهامه الأساسية ولا سيما بعد نجاحه في لبنان وتحقيق شيء من المصالحة والاستقرار داخل لبنان.‏‏‏‏

وبعد أن تم قمع هذه العصابات الإرهابية بسرعة فائقة عمدوا إلى إشغال سورية مرة أخرى في لبنان بعد اجتياح إسرائيل لجنوب لبنان عام 1978 وشنها الحرب على لبنان عام 1982 التي أدت إلى أن يقدم الجيش العربي السوري عدداً كبيراً من الشهداء على الساحة اللبنانية.‏‏‏‏

افتعال الحروب الإقليمية في المنطقة لبعثرة جهود الدول العربية وقدرتها باتجاهات مغايرة لما هو مطلوب توجيهها فكانت الحرب العراقية الإيرانية التي أدت إلى هدر الطاقات المادية والبشرية لدى الدولتين وإبعادهما عن التأثير في قضية المواجهة مع العدو الصهيوني.‏‏‏‏

- الغزو العراقي للكويت والذي جاء ليدق إسفيناً آخر في جسد التضامن العربي وإحداث شرخ خطير في العلاقات العربية العربية، وهيأت الأرضية للتدخل الأجنبي واستنزاف ثروات العرب.‏‏‏‏

- الغزو الأميركي للعراق عام 2003 الذي جاء كأحد طلقات التآمر المباشر لضرب وإخراج دولة عربية وتفكيك جيشها وإخراجها من معادلة التأثير في الصراع العربي الصهيوني وخلق تهديد جديد لسورية من قبل الجيش الأميركي الموجود في العراق.‏‏‏‏

- إيقاظ الاضطرابات من جديد في لبنان عام 2005 واغتيال الحريري وإرباك سورية في لبنان والتضييق على المقاومة الوطنية اللبنانية وإخراج الجيش العربي السوري من لبنان وأصبح العراق بوجود القوات الأميركية يشكل تهديداً خطيراً للأمن القومي العربي والإقليمي.‏‏‏‏

- العدوان الصهيوني على لبنان عام 2006 الذي جاء لإخراج المقاومة من لبنان وتدميرها وتمرير مشروع الفوضى الخلاقة الذي روجت له كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية السابقة والذي أسس لمشروع شرق أوسط جديد نظّر له رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شمعون بيريز.‏‏‏‏

- وعند فشل هذه المشروعات في الوصول إلى الهدف الحقيقي وهو تفكيك الجيش السوري وتقييد دور ومكانة الدولة السورية ظهر المشروع الأخطر للمتوالية في هذه المشاريع وهو ما أطلق عليه مشروع الربيع العربي والذي جاء ليحقق مزيداً من التفكيك والانهيار في المجتمعات العربية تحت مسعى الديمقراطية وحقوق الإنسان.‏‏‏‏

وقد أفصح هذا المشروع عن هويته الحقيقية بإثارة الصراعات والنزاعات الطائفية والاثنية معتمداً على إدخال أدوات تنفيذية وعصابات إرهابية مرتزقة مدعومة بالمال العربي والتقنية الأميركية الصهيونية والدعم الخارجي والإعلامي واسع النطاق لفرض مكونات جديدة وتقسيم المقسم إلى دويلات متصارعة متناقضة لتكون المسوغ والمبرر لقيام الدولة الدينية اليهودية.‏‏‏‏

والمقنع لخلفيات هذا المشروع وتداعياته التي استقدمت العصابات الإرهابية من كل أصقاع العالم لتمارس القتل والإرهاب والتدمير والنهب وتحطيم البنى التحتية للدولة ومكوناتها الثقافية بغية منعها من القدرة على النهوض والمواجهة.‏‏‏‏

ويحمل هذا المشروع الخطر سلسلة من المشاريع المتلاحقة بحيث تستمر الأزمة وأعمال القتال والصراع لفترة طويلة بعد إيقاظ الحروب والاحلام لبعض المكونات العرقية التي تحاكي المشروع الصهيوني في تطلعاته.‏‏‏‏

وأضاف السيد العميد الركن المتقاعد سعيد عيسى أحمد قائلاً: الإرهاب الآن يمثل مشروعاً أميركياً صهيونياً لضرب الدولة السورية وتفكيكها لضمان أمن إسرائيل وحمايتها.‏‏‏‏

من هنا نلحظ أن ما سعت إليه إسرائيل وأميركا إلى تحطيم مقومات الأمة وأي حالة نهوض وتلاق لديها وفرض خطاب جديد ينشد كيانات ضعيفة ويسعى لخدمة إسرائيل والتعاون معها وتسويقها باعتبارها صديقاً لبعض العرب وليس العدو للأسف.‏‏‏‏

وإزاء هذه الرؤى والخيارات التي رسمتها إسرائيل وأميركا لاستمرار تلك الجهود الرامية لمنع العرب من تكرار حرب تشرين ونتائجها، الأمر الذي يستدعي الانتباه والحذر من هذه الرؤى المستمرة وهي الحلقة الأخطر من حلقات التآمر الأميركي الصهيوني المتمثلة في الالتفاف حول ركائز الدولة الأساسية.‏‏‏‏

وختم السيد العميد الركن المتقاعد سعيد عيسى أحمد: إن هذه المطبات والمصاعب التي تحوكها إسرائيل وأميركا أحدثت بعض الخسائر والمتاعب ولكنها أظهرت فشلهما والحقائق والوقائع تشير أننا أمام نصر وتحول كبيرين كما كان ذلك متحققاً في حرب تشرين التحرير عام 1973.‏‏‏‏