تحدّث حتى أراك

كالعادة، في المقهى جلست إلى طاولة انتظر صديقتي، بعد غياب فتره عن دمشق، بابتسامة صادقة وعفوية ،اقترب مني أحد عمال المقهى مُرحّباً، شاب مقبل على الحياة وجاد في عمله، ماذا تريدين أن تشربي ؟؟ قالها بابتسامه صادقة وعفوية ... سجّل ما طلبت وابتعد ... كان يعمل بجد ويحرص على عدم التأخير على أحد.

بعد دقائق ،اقترب من الطاولة وقدّم لي ما طلبت ، لكن فضولي دفعني إلى أن اسأله عن حاله ودراسته ،خصوصاً أنه في سن الدراسة ، وأنه يتعامل مع الكثير من الشخصيات في كل يوم .
ابتسم وقال:" أنا طالب جامعي واعمل بعد دوام الجامعة ، قليل من يتحمل العمل في هذه المهنة المتعبة نفسياً". ورغم تمسكه بأن لا شيء يمنعه من العمل بأي مهنة كانت، لكنه في مهنته هذه يصطدم في كثير من الأحيان بأشخاص يتعاملون معه ومع زملائه باستعلاء وفوقية ويتحدثون بلهجة مسيئة. ويضيف “كأننا خدم لديهم”، مؤكدا أن هناك من يوجهون كلاما مهينا إليهم، في هذه اللحظة ناداه أحد الزبائن بلهجة فوقية وطلب منه إحضار محارم، حينها ابتسم لي وقال "هذا أحد النماذج التي نقابلها باستمرار". ذهب ليكمل عمله بإحضار الطلبات، لكنني شعرت بالكم الهائل من “الإهانات” التي يتعرضون لها، ويضطرون للسكوت عليها حفاظا على "لقمة العيش".
دفعني كلام الرجل إلى تأمل هؤلاء الناس الذين لا يشبهون أناقة ملابسهم ، وتعاليهم على موظفي المقاهي . أمراض مجتمعية وصور مخجلة، لشخصيات يقابلها تلك الشباب، يعتبرون أنفسهم في مرتبة أعلى من الآخرين، ويعطون أنفسهم الحق بالإساءة بكل معانيها.

ذلك الشاب الذي يقوم بعمله بكل جد وإخلاص، أفضل من كثيرين ممن يتسترون خلف حسبهم ونسبهم أو مالهم أو ملابسهم وسياراتهم الفخمة، يختبئون خلف "اكسوارات زائفة"، تنكشف مع أول كلمة تخرج من أفواههم لتظهر حقيقتهم.

أولئك الشباب الذين "تسخر" أيها المريض، معظمهم جامعيون ومثقفون، يعملون ليل نهار مع دراستهم لتوفير ثمن كتبهم ومصروفهم الجامعي، وكثيرا ما يساعدون عوائلهم أيضاً. يكسرون ثقافة العيب ويعملون في المطاعم وسائقي تكاسي ومطاعم الوجبات السريعة، هم مثال للشرف والنزاهة والكبرياء، لتأتي أنت بمرضك الاجتماعي والطبقي وتحاول كسر طموحهم وإهانتهم...وليس مطلوب منك إلا كلمة لطيفة ونظرة احترام !!!
لهؤلاء الذين يرتدون أجمل وأغلى الملابس ويركبون أفخم أنواع السيارات ... تعلموا أن الأناقة هي أناقة الأخلاق والتصرفات، ولا علاقه لها باللباس والسيارات والحسب والنسب ... كونوا أنيقين بأخلاقكم وتصرفاتكم، فأرقى أنواع الأناقة هي أن تكون: نظيف القلب، طيب الأخلاق وجميل المشاعر. وقد اختصرت مقولة الفيلسوف سقراط كل هذا عندما قال: (تحدث حتى أراك).

هناء أبو أسعد