معادلة غير مستحيلة

أمام لجنة متخصصة في الكونغرس الأميركي أجاب وزير الخارجية ريك تيلرسون عن مجموعة من أسئلة الأعضاء كشف من خلالها عن اتفاقات سرية جرى عقدها بين الولايات المتحدة والسعودية قبل وخلال الزيارة الشهيرة التي قام بها الرئيس دونالد ترمب إلى المملكة المظلمة

واجتمع أمامه فيها قادة ورؤساء أكثر من خمسين دولة عربية وإسلامية، من بينها اتفاقات خاصة وتفصيلية ملحقة بإقامة المركز الدولي لمكافحة التطرف في الرياض والذي من الواضح أن أميركا تديره وتحدد معاييره وفق تلك الاتفاقات الخاصة الملحقة.‏

الاتفاقات التفصيلية كما قال تيلرسون تنص على تغيير جميع المناهج الدينية الإسلامية التي يجري تدريسها في جميع مساجد العالم وبالطبع في أميركا أولاً، وهي المناهج التي قررتها السعودية بصيغتها الوهابية التكفيرية، سحبها وتسليمها للخارجية الأميركية وإقرار مناهج جديدة مراقبة من قبلها وذات معايير ومواصفات مختلفة ومدروسة، وكذلك إعفاء وتغيير جميع المدرسين والمفتين في هذه المساجد كلها وتدريب أعداد جديدة وشابة منهم بالمعايير ذاتها والمواصفات الأميركية يجري توزيعها تباعاً على المساجد!‏

من الواضح تماماً من خلال المناقشة التي يديرها تيلرسون في الكونغرس وأمام الكاميرات، والتي يمكن لأي كان متابعتها على « اليوتيوب»، أن إدارة الرئيس ترامب كغيرها من الإدارات الأميركية، تعي تماماً أن السعودية وشقيقاتها الخليجيات هي من ينتج الفكر الوهابي التكفيري وهي من يصدره ويوزعه على العالم من خلال المساجد والمفتين، وهي التي تتحمل مسؤولية إنتاج وتحريض الجيوش الإرهابية المدججة بالفكر المتطرف.. تعي الإدارة الأميركية كل ذلك وأكثر، وتعرف أن المال السعودي والخليجي هو من يمول الإرهاب فكراً وتنظيمات إرهابية، وتعرف بالتالي أن القاعدة والنصرة وداعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية وصولاً إلى الذئاب المنفردة التي تهدد العالم اليوم هي نتاج سعودي وخليجي!!‏

غير أن السؤال الذي لا يجيب عليه تيلرسون ولا لجان الكونغرس ومناقشاته هو: إذا كانت أميركا تعرف الحكاية وتديرها كلها من أولها إلى آخرها، فلماذا لا تعتبر السعودية وشقيقاتها الخليجيات مصادر إرهابية ولماذا لا تضيف حكوماتها إلى لوائحها الإرهابية، بل لماذا تغازلها وتقدم لها السلاح والذخيرة والعتاد في حروبها الإرهابية القذرة ضد سورية والعراق واليمن وليبيا وغيرها ؟‏

تلك هي المعادلة غير المستحيلة التي تمارسها أميركا سراً وعلانية، وحيث جميع مكونات المعادلة وأطرافها تتفاعل وتتكامل وتنتهي إلى مصلحة أميركا المباشرة، فالإرهاب مرفوض في القيم الأميركية.. لكن يمكن توظيفه واستخدامه في الزمان والمكان المناسبين إذا كان يدر مالاً على أميركا، والإرهابيون مرفوضون في الأخلاقيات الأميركية.. لكن يمكن احتواؤهم واستيعابهم وتشغيلهم إذا كان إرهابهم مصلحة أميركية، وحتى الفكر الإرهابي ومنتجوه هم أعداء أميركا وطرائدها.. لكن يمكن توظيفهم وتأجيرهم وحمايتهم إذا أمكن تحويلهم إلى بقرات قابلة للحلب وبوفرة!‏

المشكلة الحقيقية ليست في هذا السلوك الأميركي المزدوج الواضح والعلني، بل في من يراه بأم العين ويسمعه ويلمسه.. ثم يهرول طوعاً للانضمام إلى القطعان التي تسوقها أميركا؟؟‏