العلمنة والوهم

يجري حديث الكثير من المثقفين والعامة على حد سواء عن العلمانية وفعل العلمنة كما لو أنها مجرد مادة في دستور أو قرار حكومي ما إن يتخذ أو يقرر حتى يسري في المجتمع سريان النار في الهشيم في تبسيط جاهل ساذج

لإمكانية الانتقال من حال اجتماعي إلى آخر على نحو ميكانيكي لا يأخذ في الحسبان حقيقة أن العلمنة منظومة متتالية متكاملة من الأفكار, وأن تحطيم صخور الجبال وتسويتها أهون كثيراً من تحطيم أفكار بائدة وبناء أفكار جديدة غيرها!‏

أعرف أن وطأة واقع الحال وما آلت إليه منظومات الأفكار والعقائد الدينية والطائفية من بربرية وهمجية هي من يحرض ويدفع بهذا الاتجاه, غير أن بناء معابد جديدة في العقل البشري مستحيل دون هدم المعابد القديمة فيه وترحيلها على ما يقول نيتشه, والأفكار المتناقضة لا تتعايش ولا تتساكن في العقل الواحد, ومحل أي فكرة جديدة هو بالضرورة محل الفكرة القديمة وإلا!!‏

وفي هذا يسوق البعض «محاسن» التجربة العلمانية في تركيا .. لولا الأردوغانية، كدليل على إمكانية التعايش والمساكنة بين فكرين متناقضين، وكنموذج لإمكانية تعديل التطرف الديني والطائفي .. وهذا وهم قاتل يسطح الفكر الديني والعلمانية على حد سواء ولا يلم بتجربة العلمنة ولا يدرك حدودها الحقيقية؟‏

العلمانية في تركيا ما قبل أردوغان بذرة في غير تربتها .. مجرد بؤرة صغيرة من المعابد الجديدة «الدولة ومؤسساتها» في محيط اجتماعي هائج مائج من المعابد القديمة الدينية والطائفية لم يلبث أن ابتلع البؤرة وهضمها رغم حضورها كمواد دستورية حضور الحبر على الورق .. فلا علمنة ولا علمانية ولا من يحزنون؟؟‏