أصل الخلاف بين السعودية وقطر!

الاثنين, يونيو 19, 2017 - 20:30

البوصلة_وكالات

فجأة، برز الصراع الخليجي إلى الواجهة. لم يطل الوقت حتى اتخذ بعداً دولياً خطيراً وصارت تتقاطع عنده التصريحات والمبادرات. هذه المرة الإمارات والسعودية تتوحدان ضد قطر في محاولة لتقليم مخالبها. خلاف على الدور الإقليمي وحجم النفوذ والتأثير. ما بين السطور وخلف الاتهام للدوحة بدعم الإرهاب يُقرأ الإخوان المسلمون. الملف الأكثر حساسية بالنسبة للإمارات. سجلت ويكيليكس عام 2006 برقيات صادرة عن السفارة الأميركية في أبو ظبي (29 نيسان أبريل 2006) تكشف حجم هذه الحساسية. يقول محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي، خلال اجتماع مع دبلوماسيين أميركيين، إنه "في حال كان هناك انتخابات بالإمارات في المستقبل، فإن جماعة الإخوان المسلمين ستسيطر على الحكم".

عودة إلى 23 أيار مايو 2017. السعودية قررت الانقضاض في لحظة ترامبية مؤاتية لحساباتها. الإمارات تؤازرها بدافع خطر مشترك. لكن على مدى عقود وفي طيات التاريخ الحديث لطالما شكلت السعودية خطراً على جميع دول الخليج بما فيها الإمارات.

أواخر العام 2010 أعيد فتح ملف الخلافات الحدودية بين الإمارات والسعودية. خلافات كانت تبرز حيناً وتخبو أحياناً لتبقى جمراً تحت رمال الصحراء الحارقة. الخليج الملتهب لم يعرف دائماً طريق التسويات النهائية. تلك التسويات التي تضع حداً للخلافات التاريخية على الأدوار وعلى الحدود.

في العام 1981 تم تأسيس مجلس التعاون الخليجي الذي يضم جميع الدول الخليجية باستثناء اليمن. لم تأت هذه الخطوة انطلاقاً من رؤية واضحة واستراتيجية مبنية على خطط متينة. جاءت بمثابة ردة فعل على نجاح الثورة الإسلامية في إيران. ترافقت الثورة التي غيرت معادلات المنطقة الجيوسياسية حينذاك مع انتفاضات في القطيف شرق السعودية وفي البحرين.

من ضمن هذا السياق تشكّلت قوات درع الجزيرة باعتبارها ترتيباً عسكرياً لحماية الخليج. إلا أنه من الأيام الأولى كانت هناك رؤى مختلفة بين الدول الأعضاء حول تكوين المجلس وغاياته. عمان مثلاً كانت حريصة منذ البداية على ألا يظهر المجلس ككيان معادٍ لإيران. كان لديها أيضاً سبب آخر لا يقل أهمية وهو يشبه ما يحصل اليوم مع قطر. هاجس من سيطرة سعودية تؤدي إلى انتقاص من سيادة بقية الدول الأعضاء.

التخوفات العمانية كان لها ما يبررها. فالخشية من هيمنة السعودية وامتداد نفوذها على حساب جاراتها الصغرى كانت موقّعة بتجارب وأحداث تمتد على مراحل تاريخية مختلفة. منها ما يعود إلى ما بعد الانسحاب البريطاني من المنطقة عام 1970 واستقلال كل من البحرين وقطر والإمارات على إثره، ومنها ما يتزامن مع نشوء المملكة السعودية الحالية على يد عبدالعزيز، ومنها ما يرجع إلى زمن نشوء الدولة السعودية الأولى عام 1744 والدولة السعودية الثانية عام 1818.

على خلفية هذه التخوفات كان من الصعب أن يعبّر مجلس التعاون الخليجي عن سياسة خارجية وداخلية موحدة. في إطار ذلك يصبح مفهوماً أيضاً سبب الفشل في توحيد العملة الخليجية والتكامل الاقتصادي.

العلاقة بين الإمارات والسعودية لم تسر دائماً بشكل ودي. حتى اليوم ما زال ملف الحدود بين الجارتين عالقاً. الخلاف الذي بقي مستوراً لسنوات طفا منذ سبع سنوات إلى العلن عندما اعتبرت الإمارات أن الاتفاقية التي قضت بتنازلها عن أراض للسعودية وُقعت تحت "ضغوط قاهرة".

الشراهة السعودية منذ تأسيس المملكة جعلت من هذه القضية لغماً موقوتاً قابلاً للانفجار على الدوام. السعودية على خلاف حدودي لا مع الإمارات فحسب، بل مع كل دول مجلس التعاون الخليجي الست. يضاف إلى ذلك خلاف حدودي مع اليمن دام أكثر من 60 عاماً إلى أن تم التوقيع على معاهدة جدة لترسيم الحدود بينهما بشكل نهائي عام 2000.

لكن ما وقع عليه الرئيس اليمني الأسبق علي عبدالله صالح تعتبره قوى يمنية وازنة، منها جماعة "أنصار الله" ،غير شرعي وباطلا.

الخلاف الحدودي بين السعودية وجيرانها لا يقتصر على دول اليمن والخليج. اتفاقية ضم جزيرتي تيران وصنافير المصريتين التي أقرها البرلمان المصري أخيراً خير شاهد على ذلك.

ورغم التوقيع مع الأردن على اتفاقية في العام 1965 أنهت النزاع الحدودي بين الطرفين، إلا أن الاتفاقية ما زالت تثير اعتراضات أردنية تؤكد أنه تم تسليم أراضٍ إلى السعودية دون إجراء أي مسوحات خاصة.

فوق ذلك، بادرت الرياض في العام 2015 من طرف واحد وبخلاف الاتفاقية إلى اتخاذ قرار يقضي بإغلاق المناطق الحدودية المخصصة للرعي المشترك، ووضعت سياجاً إلكترونياً للمراقبة.

وفي ما يتعلق بالعراق اعتبرت المنطقة المحايدة بين البلدين والتي تقدر مساحتها بـِ 7,044 كم²، غير محسومة. في عام 1975، توصلت الحكومتان السعودية والعراقية لاتفاق تقسيم إداري للمنطقة وعقدت معاهدة حدودية في عام 1981.

ومع قرب اندلاع حرب الخليج عام 1991، ألغى العراق كل الاتفاقات المبرمة مع السعودية منذ عام 1968. ردت السعودية بتوثيق جميع الاتفاقيات الحدودية في الأمم المتحدة. المكتب الجغرافي للولايات المتحدة اعتبر أن المنطقة ذات حدود تقريبية وغير تفصيلية بدقة.

في كل تلك النزاعات يتبادر إلى الذهن سؤالٌ منطقي: ما حاجة السعودية إلى كل تلك الأراضي وهي من أكبر دول الشرق الأوسط مساحة وأكبرها على الإطلاق في شبه الجزيرة العربية بما يفوق المليوني كم²؟

تتلاشى الحيرة تدريجياً لدى العودة إلى الأصول التاريخية لهذه النزاعات، لا سيما مع بداية اكتشاف احتياطات النفط والغاز التي تزخر بها المناطق المتنازع عليها. أما المساحات غير الغنية بالموارد الطبيعية فهي إما مناطق استراتيجية، أو مناطق تتيح للسعودية بعد السيطرة عليها نفوذاً وأدوات ضغط على الدول الأخرى. هذا ما حصل مع قطر.

بعد توحيدها في ما يعرف بالدولة السعودية الثالثة على يد الملك عبدالعزيز آل سعود عام 1932 لم تتوقف شراهة الأسرة السعودية الحاكمة عند حدود. كان عبدالعزيز يطالب بضم قطر إلى مملكته باعتبارها جزءاً من إقليم الأحساء. رفضت بريطانيا التي كانت لديها حسابات أخرى. كانت الإمارات وقطر والبحرين والكويت تخضع حينها للحماية البريطانية وسلطتها الاستعمارية.

اعترفت السعودية أخيراً بحدود قطر. وقعت اتفاقية لترسيم الحدود بين البلدين في العام 1965. سيتبين في ما بعد أن الاتفاقية لم تقض على المشكلة. عادت حقوق التنقيب عن النفط إلى الواجهة من جديد. ستحاول السعودية محاصرة قطر. نظرت إلى الخارطة ووجدت ضالتها في مقايضة تجريها مع الإمارات. واحات البريمي مقابل خور العديد. قبل ذلك لا بد من الانتقال مؤقتاً إلى العام 1970 لتوضيح الصورة.

أوائل السبعينيات شاركت السعودية شاه إيران رغبته في انسحاب بريطانيا من الخليج بعد أن كانت معارضة في البداية. منحها هذا الأمر فرصة لفرض هيمنتها على الإمارات الصغيرة الجديدة كما يذكر سلطان العامر في دراسة صادرة عن مركز الخليج لسياسات التنمية. خلّف الانسحاب البريطاني فراغ قوة في المنطقة حاولت السعودية أن تملأه وتحكم سيطرتها.

هذا التوجه فتح الباب أمامها أيضاً لحل نزاعاتها الحدودية حول واحات البريمي الغنية بالنفط. تقع تلك الواحات بين إمارة أبو ظبي وسلطنة عمان وهي بعيدة نسبياً عن الحدود السعودية. إلا أن الرياض كانت تطالب بها منذ الأربعينيات ودخلت في صراع ضار حولها مع بريطانيا. ادعت أنها كانت تسيطر عليها لفترات طويلة إبان حكم السلالات الأولى لآل سعود. في الواقع كان المخزون الواعد من النفط في تلك الواحات هو ما أثار الرغبة السعودية. منذ الأربعينيات بشكل خاص اكتسبت النزاعات الحدودية بين السعودية وجيرانها أهمية خاصة. عندما بدأ التنقيب عن النفط أصبحت عائدية هذه الأراضي، التي لم تكن لها من قبل قيمة اقتصادية، تستوجب الاستشراس.

لا منفذ برياً للبحرين إلا عبر الأراضي السعودية. يربط البلدين جسر الملك فهد بطول نحو 25 كيلومتراً. الجسر الذي افتتح رسمياً عام1986  أسـهم في وصل البحرين بالبر السعودي بعد أن كانت جزيرة معزولة.

يترجم هذا الواقع حكماً تفوقَ السعودية وسيطرتهاعلى البلد المجاور حتى بعد استقلاله. لم يكن هذا الأمر ينطبق بداية على قطر. عند استقلال الإمارات الخليجية بداية السبعينيات أيدت بريطانيا ربط الحدود القطرية مع الإمارات. لم يكن هذا الأمر متاحاً إلا عبر خور العديد الساحر بتضاريسه الخلابة، وهو عبارة عن لسان من اليابسة يمتد في البحر بمساحة 25 كم. يحتوي الخور الذي يربط الإمارات بقطر بشكل طبيعي على مخزونات وافرة من النفط.

شكل الخور محط نزاع بين الإمارات والسعودية إضافة إلى مناطق أخرى. إلا أن هذا النزاع لا يعود إلى مرحلة استقلال الإمارات فحسب. تم تحديد سنة 1934 بداية البحث في تلك المشكلة. ذلك العام شهد بداية المباحثات الرسمية حول الحدود بين الحكومة السعودية والحكومة البريطانية بوصفها ممثلاً لإمارة أبو ظبي بموجب معاهدات الحماية التي عقدت في القرن التاسع عشر.

في العام 1974 تم توقيع اتفاق سري بين السعودية والإمارات دون علم قطر ولم يُنشر إلا في عام 1995. قضى الاتفاق بتنازل السعودية عن مطالبها بواحات البريمي للإمارات مقابل تنازل الأخيرة عن خور العديد. شكلت المنطقة حاجزاً حدودياً طبيعياً بين قطر والإمارات. بذلك أصبح على القطريين أن يمروا بأراض سعودية للوصول إلى الإمارات وباتت إمارة آل ثاني مطوقة من السعودية.

سعت الرياض من خلال ذلك إلى إحكام قبضتها على جارتها كما فعلت مع البحرين. لا مفر من الجغرافيا. السيطرة الجغرافية تقود حكماً إلى هيمنة سياسية. كانت هذه النقطة بالتحديد السبب في اعتراض السعودية على إنشاء جسر بحري بين الإمارات وقطر عام 2005.

لا تريد الرياض التفريط بأوراق الضغط. أوراق جاهزة لقمع أي تمرد وإغلاق الحدود كما يحصل اليوم. إلا أن للتاريخ أحكامه. اليوم تقف الإمارات مع السعودية بمواجهة قطر. إلا أن الخلاف الحدودي بين البلدين المتحالفين اليوم لم ينته بعد.

منذ سنوات نشرت الإمارات خرائط رسمية تظهر وجود خور العديد ضمن أراضيها ما أثار امتعاض السعودية.

"الميادين"