أميركا والاستثمار في التناقض

لم تكن أنظمة دول الخليج العربي في غالبيتها إلا أدوات للقوى الخارجية في تنفيذ مخططاتها بمنطقتنا العربية وكذلك مصدر تمويل وسوق تصريف لمنتجاتها وفي مقدمتها السلاح والأعتدة العسكرية وغيرها من صناعات استهلاكية ما يعني أن تبديد ثروات تلك الدول وإهدارها أصبح سلوكاً عادياً لحكامها،

بل إنهم يتسابقون في ذلك لكسب ود الأجنبي وحمايته الزائفة وكل ذلك يتم على حساب أبناء مواطني تلك الدول الذين يعاني الكثير منهم الفقر والحاجة للتعليم والصحة وغيره من متطلبات الحياة. وثمة دراسات صادرة في تقارير التنمية البشرية تؤكد ذلك وبالأرقام، ولعل الظاهرة الاستهلاكية هي أبرز ما يميز مستوردات دول الخليج دونما تركيز على بناء قاعدة صناعية أو إنتاجية أو علمية قادرة على جسر الهوة التقانية والمعرفية مع دول الغرب، بمعنى أن يبقى الاقتصاد الخليجي تابعاً لدورة الرأسمال الغربي واحتياجاته بحيث لا يستطيع تحقيق استقلال ولو نسبياً عن سياقاته.‏

لقد كشفت الأزمة الخليجية الأخيرة بين المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين من جهة و قطر من جهة أخرى عن طبيعة الأدوار السلبية والتدميرية التي لعبتها الأنظمة في تلك الدول تجاه كل من سورية وليبيا ومصر والعراق وغيرها من بلدان عربية، وكيف تم تقديم مليارات الدولارات للتنظيمات المتطرفة بمسمياتها المختلفة، وكذلك تحريض الشارع العربي عبر الإعلام الخليجي وتحت مسمى الربيع العربي بهدف خلق فوضى عارمة في تلك البلدان استثمرتها التنظيمات والقوى الراديكالية لتنقض على الدولة الوطنية المستقرة وتعمل فيها خراباً وتدميراً وإرهاباً وقتلاً.‏

إن ما جرى بين دول الخليج العربي من خلافات يظهر أيضاً طبيعة العلاقة التي تربط تلك الدول بالولايات المتحدة الأميركية والغرب الأطلسي على وجه العموم وهي الحماية مقابل المال، وليس العلاقات القائمة على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل، والدليل على ذلك التسابق بين السعودي والقطري على شراء الموقف الأميركي الداعم لهذا الطرف أو ذاك بالرشا السياسية تحت مسمى صفقات السلاح التي هي في الحقيقة صفعات سياسية وتعرية لتلك الأنظمة التي لا تحترم مشاعر أبنائها وهم يرون حكامهم يتسابقون في كسب حماية الأجنبي لهم كحكام، وليس لدول يفترض أن تكون حمايتها بفعل قوة الداخل لا الخارج أي القوة الشعبية والمجتمعية والجيش الوطني.‏

ولعل ما يزيد الأمر سوءاً هو الكيفية التي تعاملت بها الإدارة الأميركية مع هذه الأزمة التي نعتقد أنها هي من كانت وراء إشعال فتيلها لجهة أنها جاءت بعد زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسعودية، حيث اتبعت الإدارة الأميركية سياسة الاستثمار في التناقض بين أطراف الأزمة بهدف تحقيق أكبر قدر من الأرباح، والدليل على ذلك صفقة السلاح التي عقدتها قطر مع أميركا والبالغة اثني عشر مليار دولار، وكان ثمنها جملة تصريحات صدرت عن أحد العاملين في وزارة الخارجية الأميركية يؤكد فيها على العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة الأميركية وقطر والإشادة بما قدمته من خدمات في قاعدة العديد.‏

إن سياسة الاستثمار في الخلافات بين دول المنطقة وتحويلها إلى تناقضات بل صراعات مسلحة هو نهج أميركي غربي من إرث استعماري ثابت ليس هذا فحسب، وإنما السعي لإيجاد تناقضات غير موجودة أساساً بهدف تثميرها وتصعيدها لإيجاد ثنائيات متنافرة بين شعوب المنطقة على حوامل عرقية أو دينية أو مذهبية حتى لو احتاج الأمر إلى استدعاء ما هو مظلم من مفخخات التاريخ، وكل ذلك بهدف تحقيق أجندات خارجية تصب في خدمة قوى الخارج والكيان الصهيوني وتجعل المنطقة تعيش على صفيح ساخن.‏

إن الاعتماد على القوى الخارجية لأي نظام سياسي بهدف تمكينه من البقاء في السلطة قضية خاسرة وهناك عشرات الأمثلة على ذلك من فيتنام الجنوبية إلى إيران الشاه مروراً بتونس وباناما، فالنظام السياسي والحكم لا تبقيه إلا شرعيته الشعبية وقاعدته الوطنية وسيادة الدول لا تحميها إلا جيوشها الوطنية المبنية على عقيدة صادقة وهذه هي حقائق التاريخ، بل مسلماته، وقد حان الوقت لكي يدرك ساسة الخليج ذلك ويستوعبوا تلك الحقائق.‏