المواجهة من محاربة الإرهاب إلى مكافحة الإرهاب..

في لحظات كاللحظات التي يمر بها الميدان في سوريا والعراق، لا يبدو متسرعًا الحديث عن الإنتقال من مرحلة محاربسة الإرهاب الى مرحلة مكافحته، حيث تطغى التطورات المفصلية الكبيرة والمتغيرات الجذرية ذات البعد الهام والإستراتيجي لجهة تأثير الجغرافيا المحرّرة في مسارات السياسة والمواقف التي ستنتج عن المتغيرات الحالية والقادمة.
في العراق كما في سوريا، تحقق وحدات الجيشين والقوى الرديفة لهما بدعم من ايران وروسيا بشكل اساسي انجازات ميدانية لم يعد جائزًا تسميتها بالموضعية، نظرًا لإنتقال العمليات من مرحلة الدفاع المتحرك والهجوم المضاد الموضعي الى مرحلة الهجوم الشامل المضاد.

من المؤكد ان التنسيق بين سوريا والعراق خلال ما قبل العمليات واثناءها والمستمر حتى اللحظة لعب دورًا كبيرًا لجهة تزامن العمليات وانتظامها ضمن خطط مشتركة على ما يبدو، فدمشق شهدت زيارة للسيد فالح الفياض مستشار الأمن القومي العراقي ورئيس هيئة الحشد الشعبي تخللها لقاء مع الرئيس بشار الأسد وقيادات عسكرية واستخباراتية، اضافة الى الزيارة الأخيرة لوفد عسكري سوري الى بغداد ضمّ رئيس هيئة العمليات وضباطًا كبار، وهو ما يعتبر تطورًا نوعيًا حيث كانت عمليات التنسيق سابقًا مقتصرة على الجانب الإستخباراتي من خلال الغرفة المشتركة التي تضم اضافة الى سوريا والعراق ايران وروسيا.
هذه اللقاءات من المؤكد ايضًا انها تمت بمعرفة روسيا وايران، حيث المشاركة الروسية والإيرانية الفاعلة في معارك ربط الحدود التي وصلت البارحة الى مرحلة التماس المباشر من الجهتين السورية والعراقية بعد وصول القوات العراقية الى معبر الوليد، ما يعني الإعتماد على الطريق الأساسي بين دمشق وبغداد باستثناء مسافة تصل الى 10 كلم سيتم تعبيدها لتسهيل المرور بسبب وجود القوات الأميركية على معبر التنف من الجهة السورية.

بشكل مختصر، يمكن القول ان النتائج الحالية للعمليات تسير بشكل جيد بما يرتبط بعملية ربط الحدود التي ستستمر بشكل متلاحق بالموازاة مع استكمال العمليات باتجاهات البادية المختلفة في سوريا وصولًا الى دير الزور والميادين، واستكمالها من تل صفوق حتى معبر القائم بالتوازي مع انطلاق عمليات موازية من راوَة وعانا نحو القائم ايضًا من الجهة العراقية، ما سيؤدي في المراحل اللاحقة الأولى الى تقطيع الجغرافيا لمربعات تسيطر عليها القوات السورية والعراقية في عمليات تقطيع اوصال وعزل تضع "داعش" في اطواق يصعب من خلالها قيامه بعمليات مشاغلة وتُفقده قدرات المناورة، وهو ما يعني حصر المواجهة في الإمتداد من راوَة – القائم عراقيًا وفي البوكمال – دير الزور سوريًا وهو ما تدل عليه طبيعة العمليات ومساراتها.

على المستوى السياسي، ممّا لاشكّ فيه ان العمليات حققت نتائج هامّة نستطيع القول انها وجّهت ضربة كبيرة للمشروع الأميركي، وهي:
1- احباط عملية قوس العزل الذي كانت اميركا تنوي السيطرة عليه والذي يمتد من القنيطرة – درعا – السويداء التنف – البوكمال لعزل سوريا نهائيًا عن العراق وايران، وهو ما اقامت لأجله اميركا قاعدة التنف كقاعدة ارتكاز لتطوير عمليات التمدد على كامل هذا القوس والذي تنبهت له القيادة السورية فبدأت بتوسيع منطقة الإنتشار شمال شرق السويداء وبدفع قوات نحو معبر التنف، وهي قوات كان هدفها مشاغلة وإلهاء القوات الأميركية، حيث تم تنفيذ مناورة الإلتفاف والإندفاعة الخاطفة والسريعة شمال شرق التنف وادّت الى تحقيق عملية الربط بين الحدود ما عزل القوات الأميركية وافقدها قدرة التمدد نحو الشمال وكذلك الجنوب.
2- حرمان الكانتون الكردي في الشمال الشرقي واقليم حوران في الجنوب من ممرّ تواصل داخل الأراضي السورية، ما يحبط اجراءات جدية في استمرار اميركا اقامة هذين الإقليمين وما يعني توجيه ضربة لمشروع التقسيم.
3- حرمان اميركا من اوراق الضغط التي كان من الممكن حصولها عليها عبر السيطرة على خط الحدود، مع التذكير ان الوجود الأميركي في التنف وفي الشمال الشرقي لسوريا فقد اهميته الإستراتيجية.
4- المنافع الإقتصادية التي ستعود على سوريا والعراق من فتح الطريق بينهما وعودة ابار النفط والغاز ومناجم الفوسفات لسيطرة الدولة السورية، وهي امور في غاية الأهمية اضافة الى ان نقل البضائع من روسيا وايران الى سوريا وبالعكس سيكون عبر طريق البر، ما يعني السرعة والكمية وانخفاض الكلفة وكلها عوامل اساسية في تأمين صمود الدولة السورية وتأمين عناصر انتصار اضافية لها.
5- في الجانب العسكري، يكتسب الطريق المفتوح حديثًا والمغلق منذ 38 سنة بما يرتبط بالمعدات والسلاح من ايران الى سوريا اهمية كبرى ستؤثر في ميزان القوى على مستوى الصراع مع الكيان الصهيوني، حيث سيحتاج الكيان الصهيوني الى جهود كبيرة على المستوى الإستخباراتي للتمكن من رصد الطريق ومعرفة طبيعة الحمولات ما سيراكم لدى سوريا والمقاومة امكانيات مضافة عشرات اضعاف ما هو موجود حاليًا، مع التذكير ان الطريق هو جزء من طريق الشمال – الجنوب من روسيا الى ايران والعراق وسوريا ولبنان مرورًا بأذربيجان التي سيقام على الجهة الغربية من بحر قزين ضمن اراضيها خطًا بريًا وخط آخر لسكك الحديد.

انطلاقًا من النتائج الحالية وما سينتج لاحقًا من نتائج، يمكننا القول ان مرحلة محاربة الإرهاب في سوريا والعراق تتجه الى نهاياتها ضمن الوقت المطلوب لتحقيق النتائج والتي قد تستمر لفترة ليست قصيرة، الا اذا شهدنا تحولًا تركيًا كبيرًا في المواقف حيث لا تزال تركيا اللاعب الأساسي بما يرتبط بجبهة النصرة، ما يعني الوصول معها الى تفاهمات تنهي الحالة العسكرية للجماعات الإرهابية في شمال غرب سوريا.

بالإنتقال الى مرحلة مكافحة الإرهاب فإننا سنكون امام مرحلتين:
1- المرحلة الأمنية، وهي ستكون مرتبطة بملاحقة الجماعات والخلايا المختبئة وتطوير آليات المدافعة عن المدن الكبرى عبر منظومة متابعة أمنية مترابطة تحقق اعلى مستويات الأمان، نظرًا لأن مشغلي الجماعات الإرهابية سيذهبون باتجاه اعتماد اسلوب العمليات الأمنية سواء عبر التفجير او الإغتيال وانماط أخرى بدأت الدولة في سوريا الإستعداد للتعاطي معها، وهو ما اعتقد انه سينجح بشكل كبير بالنظرالى حالة الأمان التي تعيشها المدن الكبرى حاليًا. فاذا ما نظرنا الى حجم العمليات الأمنية في دمشق مثلًا خلال ست سنوات لوجدناه قليلًا بالقياس على طبيعة الوضع الأمني واكتظاظ العاصمة، ما يعني ان المنظومة الأمنية تعمل بشكل جيد وستنتقل قريبًا الى مستوى اعلى في عمليات الرصد والمتابعة والتعقب، وهي كلها تندرج في سياق الأمن الوقائي الذي اثبتت القوى الأمنية السورية براعة استثنائية فيه.
2- المرحلة الفكرية، وهي التي ستشارك فيها قطاعات واسعة من المجتمع السوري للوصول الى عقد اجتماعي جديد ومتماسك تسود فيه علاقة المواطنة على باقي انواع واشكال العلاقات القرابية السائدة والتي ساهمت سلبًا في انتشار المشكلة، مع الأخذ بعين الإعتبار دور المؤسسات الدينية الرسمية في اعادة صياغة برامج التعليم الدينية والسيطرة على مدارس الدين ومراقبة النشاطات وما الى ذلك، اضافة الى التذكير بأن الوصول الى عقد اجتماعي جديد لا يمكن تحقيقه دون كسر ارادة قيادات الإرهاب وجماعاته كخطوة أولى لتحقيق العودة الى الوطن.

سوريا كما العراق يتجهان الى مرحلة استثنائية وفاصلة تختلف عن مرحلة الحرب المباشرة، وهو ما يتطلب الكثير من الحذر والتنبه لتحقيق عملية الإنتقال الى المستقبل مع الإشارة الى ان وضع اليمن وليبيا ولبنان والأردن يختلف كثيرًا عن سوريا والعراق، وهو ما سنتكلم عنه لاحقًا.