هل الحل بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة؟

الثلاثاء, مايو 23, 2017 - 03:00

البوصلة  

منذ ما قبل الحرب على سورية، ثمة عناية بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة، لم تكن واضحة المعالم بسبب النشاط الاقتصادي الكبير الذي كان لافتاً خلال الانتعاش الاقتصادي والمالي ما قبل الأزمة السورية.
اليوم، ومع ما تمر به البلاد، والدمار الذي لحق بالعديد من المنشآت الصغيرة والكبيرة، يبدو أن الحاجة أصبحت ماسة أكثر لإيلاء تلك المشاريع عناية أكبر، خاصةً وأنها تسهم في إرساء نظام اقتصادي يتسم بالديناميكية والمرونة تترابط فيها تلك الشركات الصغيرة ببعضها مكملة احتياجاتها وتدعم تطور ونمو روح المبادرة ومهاراتها.
كما أن عليها بحسب المفترض أن تكون عاملاً مساعداً للمشاريع الكبيرة التي توقف أغلبها لأسباب باتت معروفة، وربما يكون من الضروري معرفة أن عدد المشاريع المتناهية الصغر حسب تقديرات بعض الاقتصاديين المتواجدين في حلب التي تعد العاصمة الاقتصادية لسورية، والتي خرجت أغلب معاملها الكبيرة عن العمل، تصل إلى أكثر من 200 ألف مشروع متناهي الصغر عدا عن المشاريع الصغيرة.

دعم الحكومة أولاً
اصطلح على تعريف المشاريع الصغيرة بحسب ما جاء في منظمة العمل الدولية، على أنها المشاريع التي يعمل بها أقل من 10 عمّال والمشاريع المتوسطة التي يعمل بها ما بين 10 إلى 99 عاملاً، وما يزيد عن 99 تعد مشاريع كبيرة، وخلال الأزمة الحالية التي تعيشها سورية، توقفت المشاريع الصغيرة والمتوسطة والكبيرة تدريجياً وخرجت عن الخدمة، وتضرر قطاع الزراعة واستنزف أكثر من نصفه من خلال حرمان مساحات واسعة من الاستفادة منها وزراعتها أو حصادها.
كما توقف قطاع الصناعة بشكل شبه كلي لأسباب عدة، منها عدم توفر الطاقة للتشغيل وانقطاع الطرق لتأمين المواد الأولية ونقل المواد المصنعة إلى الأسواق وانتقال اليد العاملة وحتى انعدام الأمن لتلك المنشآت، وتعاظم الخوف من الدخول في أي مشاريع سواء كانت كبيرة أو صغيرة، ومع هذا، باتت الحاجة لوجود بعض من تلك المشاريع المتوسطة والصغيرة وحتى المتناهية الصغر ضرورة لا بد منها، من أجل توفير بعض المتطلبات الضرورية، فقد حاولت الحكومة دعمها بداية الأزمة الحالية بشكل جزئي لتقتنع بعد مرور ما يقارب السبع سنوات أنها ضرورة لا بد منها في مثل هذه الأزمات.
وبالتدقيق في المشاريع الصغيرة والمتوسطة، رغم أنها كانت موجودة في أغلبها في فترة ما قبل الحرب السورية، إلا أنه يمكن القول إنها وليدة أفكار ظروف استثنائية في ظل حرب وخوف وانعدام الأمان وصعوبة الانتقال بين  المدن والقرى وحتى المناطق ضمن المدينة الواحدة لذلك تعتبر تلك المشاريع ريادية ومتفوقة، لأنها أعادت تشغيل اليد العاملة وتأمين موارد رزق للعائلات السورية بطرق غير اعتيادية جديدة.
ولأنها قد أسهمت بتوفير منتجات كانت قد توقفت مع توقف إنتاجها في المنشآت الكبيرة وقامت الورش الصغيرة بالقيام بدور ريادي بتأمين تلك الاحتياجات والسلع للسوريين المتواجدين في مناطقهم بل وأحياناً تصدر كميات بسيطة إلى مناطق مجاورة بحيث لا تزيد كلف انتقالها للمستهلك ولا ترتفع أثمانها لتكون ضمن القدرة الشرائية للمواطن أينما كان.

من اقتصاد الحرب
إذاً، بعد العلم أن العناية والاهتمام بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة بات ضرورة لا بد منها، بدأت المشاريع المتناهية في الصغر والصغيرة في البروز، وتنوعت فمنها الزراعية ومنها التجارية ومنها الحيوانية ومنها الصناعية على نطاق ضيق جداً على شكل ورش صغيرة وكذلك المشاريع التجارية على شكل بسطات محدودة، أسهمت في تحريك العديد من المشاريع الأكبر، وأنقذت هذه المشاريع آلاف العائلات، وحققت دخلاً لا بأس به لتلك الأسر يزيد أو ينقص تبعاً لعوامل وظروف المشروع، الأمر الذي يعني ضرورة الاهتمام بتلك المشاريع، والاستفادة منها خلال الأزمة التي تشهدها البلاد، كما حدث مع ألمانيا إبّان الحرب العالمية الثانية التي اعتمدت على المشاريع الصغيرة في إرساء اقتصاد قوي متين متنامي إلى اليوم حيث تعتبر ألمانيا في عداد أكبر ثمان دول صناعية في العالم ومن أقوى الاقتصادات العالمية، وتقول قاعدة التنمية لدى البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة: "لا تعطي الفقير سمكة بل أعطه سنارة وعلمه كيف يصطاد".

صعوبات ومعوقات
بعد العلم بأهمية تلك المشاريع لا بد من التنويه بالصعوبات التي تواجهها، خاصةً في ظل استمرار الحرب التي تمر بها البلاد، وإن كانت وليدتها، ومن أهم أسباب انتشارها، لكن، وبسبب الظروف الحالية، فقدت العديد من البنى التحتية اللازمة لعمل تلك المشاريع، ومع انعدام الأمان الشرط الأكبر لاستمرارية تلك المشاريع فقدت الأسواق اللازمة لتصريف منتجاتها وفقدت الزبائن أيضاً، بسبب قلة الحركة واقتصار الشراء على الضروريات الأساسية الغذائية.

مشاريع متاحة
برأسمال قليل، في العرف المحلي ونظراً للواقع الحالي يمكن اعتباره على أنه مبلغ ضئيل ولا يعتبر رأسمال حقيقي في الأوساط التجارية أو الصناعية، يمكن إقامة مشروع متناهي الصغر.
هذا الأمر بات متاحاً للطبقة المتوسطة القديمة التي تلاشت أو ضاعت بين الطبقيتن الغنية والفقيرة بسبب الأوضاع الاقتصادية خلال الحرب على سورية، أي يمكن البحث عن باب رزق، أو منفذ دخل جديد من خلال المشروع المتناهي الصغر.
ومن جملة هذه المشاريع التي لا تحتاج إلا لتراخيص ميسرة، وجملة إجراءات بسيطة، الميني ماركت أو السوبر ماركت، ومحلات بيع الألبسة في المناطق الشعبية، وكذلك محال بيع الفروج والتي لا تتطلب رأسمال عالي، وكل ذلك هو الأشهر من بين المشاريع المتناهية الصغر والتي بدأ البعض يجنح إليها لتدعيم دخله، وتحويله من شهري إلى يومي، أي بحسب الإنتاج والعمل، وهذا ما يحقق مستوى معيشة أفضل.