لا تفقدوا الأمل في الإنسانية

عندما يتدنى مستوى الأخلاق في المجتمع ، يتحول الانسان إلى آلة ، بلا مشاعر وبلا أحاسيس، ويتحول المجتمع البشري إلى مجتمع متوحش تضيع يضيع فيه الإنسان والإنسانية ،وليس هناك أخطر على المجتمع من الوصول إلى هذه الحالة ف ضياع الإنسان وفقدان المبادئ والقيم السامية يعني السير بالتأكيد  إلى الانحطاط.
للأسف ، هذا ما نراه اليوم في مجتمعاتنا، فالقيم الانسانية السامية أمست تكابد سكرات الموت وفي طريقها إلى الانقراض، الأخلاق باتت ضعفاً وعيباً ، أما الوفاء والاخلاص فقد دُفنا في مدافن التاريخ مع الصدق  والاحترام والتقدير والمساعدة والشعور بالآخر .... لقد أمسينا في زمن انتشرت فيه الكثير من العادات اللاأخلاقية واللاإنسانية بصورة لا يمكن تخيّلها كالفساد والرشوة، وبدأت تلك الأخلاق والعادات التي كانت مضرب مثل لمجتمعنا العربي كــ" الكرم والتعاون وإغاثة الملهوف ...." بالضياع وراء سعيه لتحقيق مصالحه فقط  من دون مراعاة لمشاعر بني جلدته، تمرّد على إنسانيته التي فُطر عليها وتسلل الشر والأنانية والمصلحة إلى النفوس، توحّش هذا الإنسان وفقد إنسانيته ، هذا على مستوى المجتمع أما على المستوى العالمي فنرى ما نراه من طمع في الدول واستباحة للدماء ،فقد تحولت شوارعنا إلى أنهار من الدماء والدموع ومدننا وحضارتنا إلى ركام ، وأصبحنا نرى الكثير من الأرواح البريئة تُزهق بكل برود، وصارت أعداد القتلى أرقاماً تمر علينا في نشرات الأخبار الإذاعية والتلفزيونية، بتنا نشاهدها وكأنها نشرة الأحوال الجوية أو مسلسل يومي روتيني .
كل ما نمر به الآن  من تراجع في القيم الانسانية إنما  يدل على أن مجتمعنا يسير في طريقه إلى الهاوية التي إن وصلنا إلى قاعها لا سبيل لنا إلى الخروج من مستنقعاتها.
وبعد كل هذا الذي نراه ونمر به ، ليس المطلوب منا أن نحلم بعالم مثالي  خالِ من قوى الشر والظلم  ، لأنهما موجودان  ولا يمكن أن يختفيا ، لكن بإمكاننا أن ندعو إلى الابتعاد عنهما   والتوجه باتجاه الخير والانسانية والسمو الأخلاقي وإلى الارتقاء بالتعامل بين البشر، ونبذ الكره والحقد والضغينة والأنانية  ... باختصار بإمكاننا الدعوة إلى المحبة التي ترفع من مستوى المجتمع الحضاري والإنساني والأخلاقي ،لأن سمو الأخلاق والانسانية هي الكفيلة بالوصول إلى التقدم والحضارة  وليس تدنيس تلك القيم ، فمهما بلغت المجتمعات من تقدم وتطور يبقى محور هذا التطور وبوصلته  هو الانسان.
عن الانسانية أتحدث، لأن جمال الإنسان والأوطان  اندثر، حين سيطرت المصلحة والأنانية وحب السلطة والسيطرة مكان التعاون والمحبة والتشاركية والمساعدة .كلّنا نعيش معا في هذا العالم ويحتاج كل واحد منا إلى الآخر، نتعاطف مع بعضنا بعضاً، ونساعد وبعضنا البعض ، لأننا خُلقنا بشر وضمن مجتمع إنساني له صفاته وميزاته .
في الواقع ، برغم كل ما يحدث من حولنا من تدني في المستوى الأخلاقي وحب الذات والمصلحة والأنانية عند الكثيرين ، ورغم ما يفتك بهذا العالم من حروب ودمار، علينا أن نتشبث بالأمل ونحافظ على إنسانيتنا ونرتقي  بها في تعاملنا وأعمالنا، ويجب ألا نفقد الرغبة في تحويل هذا العالم إلى عالم أفضل، فالتحلي بالقيم الانسانية والأخلاقية ضرورة في بناء المجتمعات سياسيًا واجتماعيًا ودينيًا وثقافيًا، يقول المهاتما غاندي: " يجب ألا تفقدوا الأمل في الإنسانية، إن الإنسانية محيط، وإذا ما كانت بضع قطرات من المحيط قذرة فلا يصبح المحيط بأكمله قذراً ".

هناء أبو أسعد