ما توقعناه قبل شهور تحقق .. انظروا إلى الشمال السوري ....

أكتب لكم الآن بينما الشمال السوري في إدلب وريفها وريف حلب يشهد اقتتالاً دموياً بين الفصائل العسكرية المسلحة التي كانت منذ وقت قريب توحد عملياتها  لتنظيم الغزوات ضد مناطق الجيش السوري.
في هذه الصحيفة وقبل شهور وتحديداً بعد اتفاق جون كيري ولافروف في جنيف لفصل الجماعات الإرهابية عن المعتدلة في سوريا ، كتبت حينها  أن عملية الفصل صعبة ومعقدة وهناك تداخل جغرافي وديمغرافي بين هذه الجماعات.  وكتبت ايضا بالنص أن الفصائل اذا ما قررت الانفصال عن جبهة النصرة والالتحاق بالحل السياسي فإن النصرة سوف تقوم بابتلاع هذه الفصائل لانها الأقوى والأكثر عديدا وعتادا.
وهذا ما يحصل الآن بالشمال السوري ، فما أن لمست الجبهة أن فصائل عسكرية التحقت بمسار أستانه للحل السياسي حتى انبرت لابتلاعها واحده تلو الأخرى . بدأت بجيش المجاهدين الذي انتهى عن الخارطة العسكرية بعد هجوم جبهة النصرة والتحق أفراده بحركة أحرار الشام واندمجوا بها  هربا من بطش النصرة ، وبعدها مباشرة اتجهت النصرة إلى لواء صقور الشام  ، وحاصرت مقاره العسكرية  فأصدر بيانا يتخلى فيه عن موافقته عن كل نتائج أستانه وعلى الفور بدأت الفصائل بالهرب من أمام غضب الجبهة أما بالاندماج بحركة أحرار الشام أو إعلان برائتها من مسار أستانه .
في  واقع الأمر أن جبهة النصرة فرع  تنظيم القاعدة في بلاد الشام لم ينطل عليها التكتيك  الذي اتبعته هذه الفصائل بايعاز وتخطيط من تركيا و القائم على مايلي:
ـ مباركة حركة أحرار الشام وهي من كبرى فصائل الشمال ومقربة من تركيا  لمسار أستانه ، لكن دون المشاركة به أو إرسال من يمثلها تجنبا لحدوث أي تصادم مبكر مع جبهة النصرة ، مع عدم قبولها أي الحركة أي اندماج تطالب به جبهة النصرة على قاعدة رصد الصفوف لمواجهة خطر النظام .
ـ تم اختيار محمد علوش قائد جيش الإسلام  ليرأس وفد الفصائل العسكرية ، نظرا لتواجد جيش الإسلام في ريف دمشق وبعده عن الشمال، لتجنب حدوث القتال هناك  بالاضافة الى قربه من الهيئة العليا للمفاوضات في الرياض . إذ لا تريد تركيا أن تضع كل أوراقها على طاولة أستانا وتهدف إلى الإبقاء على قوة الفصائل  العسكرية في الشمال ، لعبت تركيا لعبة النصف بنصف . النصف بالميدان مع النصرة مع الحفاظ على مسافة معها كي تتجنب التصنيف أو الاستهداف مع مباركة لاستانا ،  ونصف انخرط في استانا بالكامل ولكن بقيادة عسكرية من ريف دمشق وليس من ادلب .
ـ جبهة النصرة وعت هذا التكتيك واستبقت الخطر القادم نحوها ، وانطلقت لتحصين موقعها على الخارطة العسكرية معتمدة على قوتها ونفوذها .
لنكون أمام صورة تتعدد فيها السناريوهات حسب مسار الأحداث . ويمكن أن نجمل ما يمكن أن تكون عليه صورة المشهد وفق الاحتمالات التالية:
ـ قد تتراجع الفصائل العسكرية في الشمال عن مسار أستانه نظرا لما سيحدثه الانخراط به من ضرر على الجسم العسكري لهذه الفصائل في أماكن وجودها على الخارطة السورية . وهذا السناريو لن يتم تخريجه إلا بصورة توجيه الاتهام للنظام والجيش السوري بخرق الاتفاق وبالتالي الأنفكاك منه وتقديم طلبات إضافية في إطار المراهنة على رفضها من قبل الحكومة السورية .
ـ أو سيذهب المشهد إلى الفرز التام وهذا الفرز لن يكون عسكريا فقط وإنما سيكون على مستوى رفع الغطاء الإعلامي والسياسي عن جبهة النصرة . هنا لابد من توضيح التركيبة المتداخلة الحالية لعمل الفصائل . أذ يحظى كل المقاتلين نصرة وغير نصرة في سوريا  بدعم إعلامي تؤمنه بشكل كامل حركة الإخوان المسلمين التي تتولى الترويج للفصائل عبر آلة إعلامية ضخمة  محلية وعربية ودولية ترتكز في تمويلها على الدول الراعية للحركة وتحديدا قطر وتركيا لا تستثن إلا تنظيم الدولة . وهذه الآلة الإعلامية قد تخسرها جبهة النصرة . وأوضح مثال على ذلك كان في اتفاق حلب عندما حرقت جبهة النصرة الحافلات المتجه إلى كفريا والفوعة لتعطيل الاتفاق ، في هذه الحادثه رفع الغطاء الإعلامي لصالح أحرار الشام والالتزام التركي ، وتراجعت جبهة النصرة على وقع تجريمها و اتهامها بعدم الاكتراث بمعاناة أهل حلب.
ـ إذا ما تحركت هذه الآلة ضد جبهة النصرة فإنها ستكون قادرة بسرعة على شرعنة قتالها و استئصالها بالتزامن مع تمرير السلاح للفصائل التي سوف تقوم بالمهمة . هذا السناريو سيعزز دور هذه الفصائل بالحل السياسي.
ـ السناريو الثالث قد يعتمد على احتمال ضغط تركي على روسيا وايران  باتجاه تأجيل استهداف جبهة  النصرة وإعطاء الأولوية لمحاربة داعش  وهذا السناريو ضئيل النجاح لأن كلا الطرفين الروسي والإيراني يعتبر إدراج النصرة إنجازا لهما.
ـ أيا كان المشهد المرتقب فإن الحرب في سوريا تسجل دخولها فصلا جديدا تتضح فيه الخارطة العسكرية والسياسية.