صديقي الحضاري‏

منذ ثلاثة وخمسين عاماً ونيف قبل ولادتي بشهرين كما تروي لي أمي، شد أبي رحاله إلى لبنان، وتدمع عيناها حين تروي الحكاية، كنت أريد أن أطبخ لكنني لم أجد (الطنجرة) ولم يكن معنا ما يكفي لشراء واحدة جديدة،‏ فترك أبوك ما بيده وحزم أمره وودعني قائلاً: قريباً ستفرج، توجه إلى لبنان للعمل وجمع ثمن (طنجرة جديدة) أتابع تفاصيل الرحلة مع أبي، كيف كان الدرب: أكيد.. كنت سعيداً بما كنت تراه من مناظر على الدرب؟‏‏

أي درب، وأي طريق، لم تكن المواصلات متوافرة تماماً فقد مشيت ربع الطريق إلى لبنان عن طريق العريضة، متاهات ودروب وعرة، واسأل: ألم تخف؟ يبتسم أبي وبروية من خبر الأيام: يا بني أيامنا أحسن من أيامكم، صحيح أننا تعبنا وشقينا، لكننا كنا نعرف المحبة، والألفة، بكل قرية لنا بيت، ولنا ذكريات حيث كنا نتعب نجلس، وننام حينما يرهقنا النعاس، لم يسألنا أحد ما من أين أنتم ولا إلى أي مكان ذاهبون، أنتم في ضياع ، لاتعرفون معنى أن تكونوا جائعين فتجدوا من يطعمكم، ولامعنى أن يسلم عليك من يعرفك أو لايعرفك.‏‏

تذكرت ذلك وأنا أتوقف لسيدة في العقد السادس من عمرها أشارت إلي على الطريق السريع، سألتني: أين وجهتك؟ هل أستطيع أن أذهب معك لمسافة قريبة ؟ نعم تفضلي يا خالتي، طاف بي هذا كله وأنا أسمع نقاشاً جاداً وحاداً بين اثنين من الزملاء عن الحضارة، أحدهما يرى أن الغرب حضاري ولديه من الحضارة الكثير، أما الآخر فنقض هذه الحضارة كلها، اتسع النقاش ليصبح تفصيلاً في معنى الحضارة، لم ألتفت إليهما بقيت منهمكاً بأمر ما، لكنني أصغيت في النهاية إلى الأمر حين سألني أحدهما: ما رأيك؟‏‏

رويت له توقفي لتلك السيدة، وقلت هي حين أشارت إلي إنما فعلت ذلك ونحن في ظروف أمنية صعبة، فعلته وأمامها ميراث عشرة آلاف عام من الحضارة، وكل ما جرى ويجري، لم يكن ليشكل عندها أي شعور أننا تخلينا عن حضارتنا، وقيمها وإنسانيتها، وياصديقي الغرب حضارة مادية، بلا روح ولا معنى، نعم إنجازاته هائلة في مجال الحضارة المادية ولكن أي قيمة لها حين تكون مسلطة سيفاً وموتاً ودماراً على رؤوس الآخرين؟‏‏

والأعراب استوردوا مظاهر الحضارة كلها، ناطحات سحاب، وسيارات فارهة، لا، بل طائرات من ذهب، وأشياء لاعين رأت مثلها، ولا أذن سمعت برفاهيتها، ولكن هل هم حضاريون؟ المرأة مجرد كتلة من لحم وقطعة قماش تختفي خلفها، لايوثق بها حتى أن تخرج مع ابنها، ترمى كما أي قطعة بالية لاقيمة لها، وهل الحضارة أن تجلس تثرثر هناوهناك وأنت ترتدي أرقى ربطات العنق، تتحدث عن الحرية والصداقة والوطن وتتابع أخبار زوجتك كل ربع ساعة هل خرجت من المنزل؟ هل وهل؟‏‏

حضاري وتدعي حب الوطن، وتغرف منه، وحين يأتي دور ابنك في التجنيد تسفّره إلى الخارج؟‏‏

صديقي الحضاري: ليست هذه حضارة هذه قشور زائفة أنت مجرد مستهلك، وفي المحصلة حين لاتكون الحضارة إنسانية فهي إنجازات مادية لاقيمة لها، ورحم الله شاكر مصطفى حين قال في كتابه حضارة الطين: لقد جعل منا العلم أنصاف آلهة قبل أن نستحق أن نكون بشراً، الحضارة إنسانية ورحمة ومودة وقيم، وليست سلوكاً مزدوجاً، هو في المحصلة انفصام عن الحياة والإنسانية، وإذا كانت الحضارة كذلك أشهد أن النوق التي يربطها الأعراب قرب قصورهم ويؤمنون لها كل أسباب الرفاهية، هي حضارية أكثر منك.‏‏

ديب علي حسن