فيلـم الرابعـة بتوقيـت الفـردوس.. بلا طـوق نجـاة..

أفعى صفراء خبيثة تمد لسانها وتتأمل مليا ماالذي تريد فعله بعد.. ! ‏ حصان يفترش حديقة عامة، ويحتضر سريعا.. !‏‏
الأحد, أبريل 5, 2015 - 12:15pm

فتاة تعتلي نافذة المشفى.. بيأس واضح.. وأخرى تضرب خطيبها، وترمي الخاتم في وجهه.. !‏‏

يحيلنا فيلم الرابعة بتوقيت الفردوس للمخرج محمد عبد العزيز، مباشرة إلى النهايات،، لا ندرك أنها النهاية، إلا بعد انقضاء الحكاية.. حينها يمر المشهد بطيئا لندرك أننا رأيناه سابقا.. ولكن الآن عرفنا مغزاه.. !‏‏

الفيلم الذي أنتجته المؤسسة العامة للسينما وعرض في سينما سيتي عرضا خاصا، يضعنا أمام سبع حكايا.. خلال سبع ساعات من التاسعة صباحا حتى الرابعة مساء.. أبطالها مرضى، فقراء، شتتهم الحرب، ومزقتهم..‏‏

ليست مآزق عادية ولا تقلبات داخلية هينة تلك التي يضعنا الفيلم أمامها.. نحن هنا لانراهن على مجرد أزمات حياتية عابرة ستمر سريعا، أو أوهام مشحونة بانكسارات إنسانية لاتنتهي..‏‏

هنا الرهان على وجودنا، على حياتنا، على وطننا المنهك، الممزق حد الموت..‏‏

هنا رهاننا على وجع لاينتهي، وخراب لايمل..‏‏

وموت يجول ويصول كما يشتهي.. !‏‏

نحن لانتجول فنيا أو سينمائيا في الفيلم عبر رحلة ممتعة، إنما نتجول في ذاكرتنا الآنية، بمشقة وألم لتتقاطع تلك المشاهد الممنتجة بحرفية عالية مع ذاكرتنا المعبأة بأفظع المشاهد، الحية، لاتوازيها تلك التي رأيناها وقدمها عبد العزيز بمشهدية سينمائية لافتة..‏‏

تحيرك وأنت تحضرها..‏‏

وتأسرك بعد أن تغادر وتفلت من لهيب تأثيرها..‏‏

حتى لكأنك تخال أن تلك النيران التي التهمت البيانو بعد أن أشعلها صاحبه بإصرار إنما تلتهم روحك.. دون أن يتمكن احد من إخمادها..‏‏

عبد العزيز يحفر بتأن في الراهن، لينبش منه حكاياه لسنا مضطرين لاستكشاف المخفي، أو للعودة إلى جذور الحكاية، قراءة الراهن الذي نحياه ليست صعبة، وان كانت مشبعة بدلالات ورموز سينمائية.. !‏‏

الأفعى الصفراء.. تطل سريعا في البداية وتختفي، لانعرف أين.. إلا أنها في المشهد النهائي تطل بعجرفة وثقة، لتخنق جدران المنزل القديم في سوق ساروجة بكل تاريخه وعراقته.. تسير دون أن يتمكن احد من التفكير فيها أو إيقافها.. الكل مشغول بكوارثه الخاصة.. !‏‏

يتوازى مشهد ظهورها مع حالة التطهر التي يعيشها الموسيقي العاشق.. السجين السابق بعد أن عرف أن صديقه هو من وشى به ليدخل السجن خمسة عشر عاما.. فتهزمه روح التفاؤل وتفلت محاولاته مقاومة الخراب، وتقديم عرضه (الأفعى والرمان)..‏‏

لن ينجز أي شيء في أجواء الخراب هذه..‏‏

النهايات.. تطل أمام أعيننا جميعا، لندرك أن الموت ربما هو مصيرنا الأوحد..‏‏

ثمة أمل.. ربما.. لكنه أمل موجوع هو الآخر.. عندما يطل في تلك البراري من خلال حسام الشاه وزوجته نغم ناعسة بعد انتظار تسع سنوات..‏‏

أمل يترافق مع إطلاق اسعد فضة الرصاص على رأسه تاركا كل شيء على حاله، بنفس درجة التأزم..‏‏

أما معنى التجدد الذي أراده المخرج من خلال الأفعى، فلم يصل إلينا، كانت حالة الفيلم، والأجواء التي يضعنا فيها توحي بمزيد من الخبث الافعواني، ذاك الذي يقتنص أي لحظة إنسانية ويخنقها..‏‏

تقطيع المشاهد السينمائية يقدم لنا مشهدية سينمائية سريعة، وكأننا في سباق تنافسي.. بين تلك المشاهد، ليس من الأقوى سينمائيا فحسب، بل من الذي يمزق أرواحنا أكثر..‏‏

هي جزء من مشهدية سورية راهنة، تمزق أبطالها، تلوكهم وتبصقهم، لمصائر تعجيزية، لاحلول لها..‏‏

وفي النهاية الموت.. والخراب يعلنان بكل سرور شارة النصر.. !‏‏

لم ينهزم سوى نحن.. !‏‏

أن نتعامل مع سينما تؤرخ اللحظة الآنية، تلك التي نحياها، هو أمر شاق بالتأكيد خاصة حين يحرص على الابتعاد عن التأويلات..‏‏

لايغامر المخرج محمد عبد العزيز، بتأويلات سياسية.. هو يغوص في الأزمة، ليقدم نتائجها على إنساننا السوري، مهما كانت هويته، هكذا نرى العائلة الكردية (محمد آل رشي، ورنا ريشة وابنهما) يتجولان في شوارع دمشق، الحصان الأسود نفسه الذي رأيناه في المشاهد الافتتاحية يحتضر، يجرهم بيأس واضح.. و فجأة كأنه هو الآخر لم يعد يحتمل هذه الحياة الموجعة وقرر الاستسلام..‏‏

اللحظة التي يختار فيها الاستسلام تكون كارثية على العائلة التي تحث الخطى باتجاه المشفى الأم مصابة بورم دماغي وتحتاج لعلاج سريع، المشقة التي يعانيها الزوج للوصول إلى المشفى ومن ثم البدء بمعاناة من نوع آخر، هاجمه المرض القاتل وهو لايمتلك سوى كليته التي يقرر بيعها في مشهد مقزز يضعنا أمام وجع الأحياء من أولئك التجار الذي اقتحموا حياتنا دون أي ممانعة ليتاجروا بنا.. !‏‏

علاقة الحب بين سامر عمران ونوار يوسف.. مريضة السرطان، أيضا تضعنا أمام عدم إمكانية اكتمال مشاعر الحب الحقيقية، حالها حال يارا عيد بطلة عرض الرمان والأفعى، حبيبة الجندي الذي يحاول بشتى الوسائل إنقاذها بعد تفجير سيارتها..‏‏

مجتمعنا السوري يقتل كل ملامح الحب والجمال لم يحن أوانها بعد..‏‏

نحن في عصر الخراب ولا صوت يعلو فوقه..‏‏

بدا واضحا الشراكة الفنية العالية المستوى بين المخرج والممثل، هكذا نرى شخصيات بتقنيات أدائية جديدة -انساقت نحو المغامرة والجرأة...، وكأننا نراها للمرة الأولى.. سامر عمران، محمد ال رشي، نوار يوسف، رنا ريشة..‏‏

البعد التمثيلي مع عوامل أخرى ساهمت في صنع مشهدية سينمائية قوية.. حتى لكأننا نشعر أننا نقوم من سرير الموت مع يارا عيد، لنحضر عرضها..، حالها حال محمد آل رشي، الذي قتل دفاعا عن كليته ودواء زوجته، لينهض مغادرا عالمنا مع حصانه..‏‏

بينما الموسيقي وحبيبته يعومان في بحيرة الدار القديم.. ونار البيانو مشتعلة..‏‏

نغادر ونحن نشعر بخصوصية وجعنا الآني المهيب، نفلت من الصالة مسرعين إلى شوارع دمشق، ولكن الواقعية لا السينمائية.. لنهرب من جرعة الألم تلك التي قدمت دفعة واحدة وأخافتنا حقا..، نعبر الزمن السينمائي القصير، لنلتقي واقعيا بذات الضحايا الممنتجة فنيا، لتلتصق بذاكرتنا أبدا صرخات قهرها وعجزها..‏‏

و لكن كأننا بدأنا نعيد النظر ببشر.. كنا نعبر أمامهم دون اكتراث.. !‏‏

(( نقلاً عن صحيفة الثورة السورية ))