أحجار كريمة على هيئة بشـر

دخلت إلى غرفتها بعد يوم من العمل المتعب من أيام صيف دمشق الحار ، تنهدت بعمق واتجهت باتجاه المغسلة ، تغسل تعب اليوم عن وجهها الذي كلما نظرت إليه تتذكر أحدهم حين يقول لها دائما : " كلما كنت ِ في حالة من اليأس والحزن  انظري إلى المرآة واشكري الرب دائماً ".
هكذا فعلت غسلت وجهها ومعه  تعب نهارمليء  بالخوف والرعب التي تسببه في كل لحظة  حرب لاتعرف الرحمة ... ودار في مخيلتها  ذكريات جميلة  أبهجت قلبها ولمعت في عينيها صورة أصدقاء  طالما عاشوا معاً أصعب أيام سنوات الحرب هذه  " تدمير وتفجير ، تفجيج وقذائف " ، تركت المغسلة واتجهت  خارج غرفتها الضيقة التي كانت تطل  من زاوية صغيرة فقط على أفق السماء وألقت بنفسها على ذلك الكرسي  الذي  طالما جلست عليه ساعات وساعات  تنظر إلى ذلك الأفق البعيد ، قفزت إالى مخيلتها  ذكريات أفرحت قلبها أحياناً وأحزنته أحياناً أخرى ، وتذكرت كل مايحصل في بلادها و مايعترض حياتها ، كغيرها ، من هموم ومشاكل وصعوبات  .
أغلقت عينيها وقالت في نفسها " أخشى أن تطول تلك الحرب اللعينة  ونخسر المزيد من الأحبة والأصدقاء والأشياء الجميلة  " ولمعت أما م عينيها من جديد صور لأصدقاء غادروها بسبب  تلك الحرب القذرة وفجأة توقفت  ذاكرتها عند صورة صديق فابتسمت وقالت وكأنها تحاكيه وهو في أعماقها :" أنا وأنت صديقان نحتمل عبء ظروفنا وحياتنا ونتشارك بؤسنا وفرحنا ، وفي هذه الحرب بدأ يتغير كل شيء وبدأت الظروف القاسية والضغوط النفسية تهدد صداقتنا، وهاهي  الغيوم السوداء تحوم فوق سماءنا وتهدد علاقتنا التي بدأت تتغير كما كل الأشياء ، لم يعد لدينا القدرة على الاستمرار ،لقد  وصل اليأس إلى أرواحنا التي بدأت تحتضر ونحن على قيد الحياة .." وفي عمق شرودها المرهق ، ابتسمت وكأنها تسمع جواباً منه على ماجال في خاطرها " كهذه المدينة أنت،  قوية ، صامدة ، مدرسة للعطاء وقوة الصبر .. تتعالى على الجراح رغم عمقها وقساوتها ، ترفض الخضوع ،  تنتظر فجر جديد يخلصها هذا الوجع المميت . أنت رفيقة سنوات سلم وحرب .. نحن رفاق درب وقضية ،  أم وأخت ورفيقة وصديقة ... لن تهدد  صداقتنا  تلك الغيوم العابرة، لأنه  نادراً مانجد أحجاراً كريمة غالية الثمن على هيئة بشر ، وحين نجدها  لن نتخلى عنها أبداً ، فالحياة ليست فقط لكسب الأمور المادية بل هناك جوانب أخرى فيها  أسمى وأرقى وأكثر إنسانية وهي العلاقات الصادقة بين البشر التي لاتتتبدل ولاتتغير مهما ازادت وطأة الحروب والضغوطات الحياتية  ... " . صحت من شرودها العميق وتذكرت قول لأرسطو عن الصديق: «إنسان هو أنت.. إلا أنه بالشخص غيرك» وأيقنت بأن الصديق هو فعلاً حجر كريم على هيئة بشر.

هناء ابو اسعد