هل حصلت «الاستدارة» التركية نحو سورية؟ وهل يمكن حصول «استدارة» قطرية؟

 

 

الجواب على السؤال الأول يتأرجح بين نهايتين متطرفتين هما: لا لم تحصل الاستدارة، أو نعم حصلت بكلّ تأكيد…

ـ الموقف الأول تعلنه دمشق وحجتها في ذلك أنه حتى الآن لم يحصل أيّ تغيير فعلي على الأرض، فتركيا لم تغلق حدودها بعد أمام المرتزقة وأمام الدعم الكبير لهم، ولم تبدأ بتجفيف منابع الإرهاب تطبيقاً للقرار الأممي 2253 وتلبية لدعوة الرئيس أوباما في بيانه الشهير الذي ألقاه نهاية العام الماضي حول أحداث سان برناردينو بعنوان On Keeping the American People Safe .

وفي ذلك البيان قال الرئيس الأميركي بأنّ بلاده ستدعم حلفاءها في سد الحدود، منعاً لتسلل الإرهابيين إلى سورية والعراق.

We re working with Turkey to seal its border with Syria

أضف إلى كلّ ذلك «الثبات» التركي على الموقف القديم، بل إنها دفعت بقواتها وأتباعها إلى الأراضي السورية دون إذن من الدولة السورية أو تنسيق معها في ما يعدّ تدخلاً غير مشروع حتى ولو كانت المناطق التي دخلتها القوات التركية غير خاضعة للسلطة السورية حالياً.

ـ الموقف الثاني تشير إليه تصريحات المسؤولين الأتراك رفيعي المستوى رئيس وزراء، وزير خارجية ونوابهما ، وهي تصريحات واضحة ومشجعة تؤكد أنّ الموقف التركي تجاه سورية لم يعد هو نفسه الذي كان سائداً في الفترة الماضية من عمر الحرب. علاوة على ذلك هناك المنطق، إذ لا يُعقل أن تتجرأ أنقرة على دفع قواتها إلى سورية، وهي ضعيفة بعد الأزمات الكبرى فيها من دون أن يكون هناك «تفاهم ما» مع موسكو، وبالتالي مع دمشق عبر موسكو. والمنطق هنا يسأل: كيف لم تستطع أنقرة القيام بمثل هذا الفعل عندما كانت في وضع أفضل، قوةً وتماسكاً، وكانت سورية في وضع أسوأ قبل ثلاثة أو أربعة أعوام، وتقوم به الآن وقد انقلبت المعادلة؟ نتذكر أنّ الدفاع الجوي السوري أسقط مقاتلة تركية، لأنها تخطّت الحدود الجوية، على الرغم من أنّ سورية كانت عندها في أصعب الأوقات وتركيا أفضلها؟

ـ بعيداً عن هذين الموقفين، وكلٌّ يطرح مبرّرات قوية ومعقولة، لا بدّ من تحليل هادئ خارج العواطف والمواقف السياسية التي غالباً ما تشوّه التحليل الموضوعي.

أولاً: إنّ حجة دمشق قوية عندما تؤكد أنّ الكلام الذي لا يتبعه فعل هو مجرد لغو لا وزن له.

ثانياً: وحجة الطرف الآخر قوية أيضاً إذ لا يمكن لمراقب موضوعي إلا أن يرى أنّ أنقرة المكوية بسلسلة من الأزمات، بسبب الأحداث السورية، لا بدّ أنها تغيّرت بدليل «الدفء الواضح» في علاقاتها مع موسكو.

ثالثاً: لا شك في أنّ الحقيقة هي بين هذين القطبين. ففي السياسة ينبغي أخذ جميع الأبعاد بالاعتبار بما في ذلك التصريحات التي تعلن عن مواقف جديدة، خاصة إذا كان معلنوها على مستوى رفيع ومسؤول في الحكومة.

ولا شك في أنّ هناك خطراً مشتركاً ظهَر مؤخراً يجمع بين دمشق وأنقرة، وهو ما يسمّى بالخطر الكردي الانفصالي، الذي يبدأ بتقسيم سورية أو فدرلتها. دمشق ربما تريد «سلة كاملة» في الاتفاق مع أنقرة لدرء هذا الخطر، لأنّ السوريين يصرّون على أولوية مكافحة الإرهاب الضالعة في دعمه تركيا. وهم لا يمكن أن يتفقوا مع أنقرة على الخطر الانفصالي من دون الاتفاق على ما هو أهمّ أيّ الإرهاب. أما ساكن القصر ذي الألف غرفة، أردوغان، فيعتقد أنّ الأولوية لمواجهة أطماع بعض الأكراد في البلدين لإنشاء كيانات شبه مستقلة داخلهما مع احتفاظه بعدائه «لنظام دمشق» وما يترتب على ذلك من دعم مستمرّ لمعارضي ذاك النظام المسلحين.

وماذا عن قطر؟

تبدو المشكلة مع قطر معقدة أيضاً، فالدوحة تدعم الإخوان المسلمين دعماً قوياً وتعاديهم دمشق عداءً قوياً.

دور إيران هنا مهمّ، لأنّ طهران تدعم دمشق ولا تكنّ العداء للإخوان المسلمين ولها علاقات جيدة نسبياً مع قطر.

أذكر أنّ أمير قطر الجديد تميم بن حمد آل ثاني في خطابه الأول عام 2013 لم يتطرّق إلى الأزمة السورية أبداً في ما يعتبر إشارة إيجابية باتجاه دمشق. كما أشارت تقارير إلى محاولات سابقة للتقريب بين دمشق والدوحة عبر وسطاء لبنانيين لكن هذه المحاولات فشلت. الآن جاء دور إيران الذي سيكون صعباً بل ربما مستحيلاً. علاء الدين بروجردي رئيس لجنة الأمن والعلاقات الخارجية في البرلمان الإيراني أعلن مؤخراً خلال زيارته لدمشق أنّ الملف السوري لم يعد بيد قطر، وأنّ إيران تنتظر منها لعب دور جديد وطي الصفحة السلبية مع سورية. نضيف إلى ذلك زيارة وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف إلى الدوحة وتصريحاته التي فيها «أمل» بموقف جديد لقطر.

صحيح أنّ تغيير موقف قطر يعزّز التوجه المعادي للسعودية إيران وسورية والعراق واليمن ويضعف موقف الرياض العدواني، لكن دون هذا التحوّل ما زالت عقبات كأداء.

أولاً: لن تتنازل دمشق عن اعتراف قطري واضح وصريح بخطئها في دعم الإرهابيين وإسهامها في تدمير سورية وقتل أبنائها. وبالتالي لا بدّ من اعتذار واضح مع كلّ ما يتطلبه ذلك من تعويضات يتفق عليها. مع إيقاف أيّ دعم للإرهابيين الموالين للدوحة ووقف الحرب الإعلامية على سورية.

ثانياً: بالمقابل تريد قطر «صفقة» مع سورية بمعنى أنها تريد أن تظهر وكأنها منتصرة في «حربها السورية»، عبر إعطاء دور لأتباعها الإخوان المسلمين في سورية بمعنى حلّ وسط مع الدولة السورية.

إنها مواقف متباعدة جداً لن تستطيع الإرادة الحسنة لدى طهران التقريب بينهما. موسكو ربما تكون أكثر نجاحاً على خط أنقرة دمشق وذلك لسببين: لأنّ العلاقة بين موسكو ودمشق متينة جداً، ولأنّ تركيا تواجه مع سورية خطراً مشتركاً متمثلاً في «الكيان الكردي» أما قطر فليس لديها مثل هذا الهمّ تشارك به دمشق. كما أنّ تركيا أكثر أهمية لأنها أكثر تأثيراً على الأوضاع في سورية من قطر…