أنســـنـة جاهليتنـــا

منذ بدايات القرن العشرين، ورغم كل ما تركته الحقبة الاستعمارية العثمانية من وحول فكرية ومعاشية في المجتمعات العربية .. ورغم كل ما وعدت به وهيأت له الحقبة الاستعمارية الأوروبية “ الانتدابية “ التالية من سلب سيادة وقرار وإلحاق، فقد افتتح ما يسمى “ عصر التنوير العربي

“ خطابه التنويري في ذلك الحين بمديح ما اعتبره في ذلك الحين ولا يزال “ الماضي التليد للأمة “ وإعادة التذكير به، ومن ثم تحويله إلى نبراس وبوصلة في آن معاً، وبالدعوة إلى البناء على موروثه أو استكمال بنائه، حتى أن الأمر بلغ مرحلة من التطويب والتقديس لذلك الماضي ولذلك الموروث حداً بدا معه كما لو أنه منزل وغير قابل لنقاش أو مراجعة !‏

منذ ذلك الحين دخل موروثنا الثقافي والديني بكامله تقريباً حجرة الأصنام المقدسة، فبات لاة وعزة العصر الحديث، وتحولت عملية التنوير ومقتضياتها من ضرورات مراجعة التراث وتمحيصه وإعادة انتاجه، إلى ضرورات تجنب المس به وإلى الشهادة العمياء والغيبية له، بل وإلى اعتباره منطلقاً للتنوير الموعود وأداة ذهنية ومنهجية له، تحول معها إلى أسوار وسجون لا فكاك منها، وإلى قواعد ورؤى .. وحتى إلى حقائق لا سبيل إلى نكرانها أو دحضها والتنكر لها !!‏

لعل هذا الموقف شبه العام من التراث كان السبب الرئيس وراء صنميته وإبعاده عن يد القراءة والمراجعة، وبالتالي عن يد التحليل والفرز، ومن ثم الاتجاه بالتنوير في الاتجاه الخطأ، ومحاولة بنائه على قواعد نال منها الاهتراء والهراء معاً طوال عقود من الزمن ومن التشكل الكاذب للتنوير والتحديث، وكانت النتيجة الحتمية لكل ذلك وصول الأمة إلى ما وصلت إليه اليوم من الهشاشة الداخلية التي لم تحتمل أولى نسمات التغيير، فانهارت وانهار معها كل ما تبعها وانبنى عليها، ولنكتشف بما يشبه الصدمة المدوية في الخواء .. أننا أعجز من أن نخطو خطوة واحدة نحو التنوير والحداثة، لا بل أعجز من أن نمنع أو نوقف الارتداد المتسارع إلى الخلف عند أول الاختبارات الحاسمة ؟‏

ورغم خمس أو ست سنوات حتى اليوم من الانهيار الداخلي والارتداد والهزيمة الحضارية المدوية، لا زال القسم الأعظم من الأمة غافلاً مذهولاً بما يجري وعما يجري، ولا زال الكثيرون “ يقاومون “ بوعي أو من غير وعي ضرورات نبش ذلك الموروث الثقافي الصنم، ويقاومون أبسط الضرورات تلك والتي تقتضي قراءة ذلك الموروث والاطلاع على محتوياته رغم توفره بين يدي الجميع عبر شبكة الانترنت ومجاناً، لقد ذهبوا في جهله من جهة وفي تقديسه من جهة ثانية إلى حد الخوف منه والارتعاش المرضي عند تقليب شيء من صفحاته .‏

ورغم كل آلام هذه الحقبة التي نعيشها اليوم، ورغم كل ما يمكن أن ينطوي عليه نبش ذلك “ المقدس “ وتقليب صفحاته، إلا أنها فرصة تاريخية لمن أراد تنويراً حقيقياً غير مزيف .. أن يعيد إنزال هذا الموروث الثقافي من رفوفه المغبرة إلى طاولة البحث والتحليل، فيقرأ ما تشيب له الولدان مما كنا ولا نزال نعتقد أنه تنويرنا وأنه أساس تحضرنا وأنسنة جاهليتنا ؟؟‏