معركة الموصل وانتخابات الرئاسة الأميركية

ركبت إدارة أوباما موجة معركة تحرير الموصل، بحسابات خاصة بها، مختلفة عن حسابات الحكومة العراقية في بغداد، التي تريد فعلاً القضاء على «داعش» والإجهاز على هذا التنظيم الإرهابي في العراق، بشكل نهائي. بينما تريد إدارة أوباما الاستمرار في استثمار تنظيم «داعش»، الذي هو بالأساس، من إنتاجها وصناعتها، لذلك، يثير الاندفاع الأميركي، مصحوباً بضجة إعلامية ودعائية تضخم حجم «داعش» وقدراته العسكرية، لتحرير مدينة الموصل وكسر شوكة التنظيم في العراق، العديد من التساؤلات، لعلّ أبرزها إمكانية سعي الرئيس باراك أوباما لدعم موقف مرشحة حزبه «الديمقراطي»، هيلاري كلينتون، في معركتها الانتخابية ضدّ دونالد ترامب، مرشح «الحزب الجمهوري» المنافس.

وتبيّن المعطيات السابقة، أنّ التدخل الأميركي ضدّ «داعش» في العراق، كان حذراً، بل ومتردّداً منذ البداية، بل منذ ظهور نجم تنظيم «داعش». واقتصر على توجيه الضربات الجوية وإرسال المستشارين العسكريين، فلماذا هذا الاندفاع الأميركي للمشاركة في معركة الموصل، في هذا الوقت بالذات؟

معلوم، بل ومفضوح أيضاً، أنّ الإدارة الأميركية اتخذت من تمدّد «داعش» في العراق، ذريعة لعودتها العسكرية إليه، تحت عنوان «التحالف الدولي» الذي قادته وأرادت من خلاله، أن تستمرّ في استنزاف العراق وتهيئة الأرضية الانقسامية فيه ومنع تشكل عناصر توحيده بشكل يساهم في بناء العراق القوي المنيع. ولأنها لم تستطع، رغم مناوراتها الاحتيالية كلها، أن توقف الزحف الوطني العراقي، في سعيه لتحرير الأرض العراقية من الإرهاب التكفيري الصهيو- أميركي، المتمثل بـ«داعش»، فإنها ركبت موجة التحرير ووضعت خطة خاصة لسحب عناصر التنظيم بعدّتهم وعتادهم، إلى ساحات أخرى لاستخدامهم من جديد.

وما من شك، أنّ هناك خططاً أميركية سرية حول مستقبل الموصل، لا تظهرها إدارة أوباما دفعة واحدة. ولذلك، عمدت هذه الإدارة إلى التضليل وخلط الأوراق في معركة الموصل، مثل امتناعها، في البداية، عن قبول مشاركة تركيا فيها، ثم الموافقة، بعد ذلك، على اشتراكها في التحالف الدولي والضربات الجوية التي يقوم بها، مما يؤكد أنّ أميركا كانت تُعدّ للموصل عملية تبديل قوى ونقل السيطرة عليها من يد «داعش» التي تسيرها وتستثمرها، إلى أيدي جماعات مسلحة أخرى فيها، مثل قوات تركية وعشائر تعمل بعيداً عن القرار العراقي الوطني، في عملية تسلّم وتسليم تذكّر بما جرى في جرابلس السورية، بين «داعش» والقوات التركية، حيث تمّت عملية التسلم والتسليم في أقلّ من ست ساعات وهو الوقت نفسه الذي تستلزمه عملية تبديل القوى، من دون أي مواجهة أو قتال.

ومن المؤكد، أنّ سياسة خلط الأوراق في معركة الموصل، قادت إدارة أوباما إلى تحريك «داعش» نحو كركوك. والأنكى من ذلك، أنّ «الدواعش» وصلوا إلى كركوك بطائرات تركية، بهدف إيجاد موقع بديل لهم، لا سيما بعد فشل خطة سحب مقاتلي التنظيم ودفعهم جميعاً للدخول إلى سورية، بسبب التحذير السوري والروسي بإبادتهم. ولولا الحماية الأميركية لما تجرأ «داعش» على التوجه نحو كركوك. ولولا الموافقة الأميركية الضمنية، لما عاندت حكومة أردوغان الجميع وأصرّت على بقاء قواتها البرية في بعشيقة، بالقرب من الموصل، أملاً في الدخول إلى المدينة في الوقت المناسب وتحويل المعركة إلى معركة متعدّدة الأطراف وإطالة أمدها بعد خروج «داعش»، بهدف منع عودة الموصل إلى حضن الدولة العراقية المركزية، عملاً بالخطة الأميركية في تقسيم وتفتيت العراق والدول العربية الأخرى.

لقد بات واضحاً، أنّ تركيا وأميركا تشتركان في اعتبار الإرهاب جيشهما السري، الذي تواجهان خصومهما به في الميدان، ثم تدّعيان أنهما تواجهانه وتحاربانه، لكن حربهما عليه قائمة فقط في الإعلام. وتسخّرا الحرب ضدّه كجسر تعبران عليه للدخول إلى أيّ ميدان، أو العودة إلى أيّ مكان، تريا مصالحهما في التواجد عليه. واليوم، يتكشف أكثر فأكثر حجم العلاقة بين الإرهاب «الداعشي» ومشغله نظام أردوغان، بعد أن أرسل إلى الموصل وحدات من جيشه، بين خطوط «داعش» ومناطق سيطرته وهي مدجّجة بالدبابات والأسلحة الثقيلة في وضح النهار، من دون موافقة الحكومة المركزية، في خطوة عدوانية احتلالية، تؤكد انتقال نظام أردوغان إلى مرحلة جديدة في استخدام مجموعات «داعش» لاحتلال أراضي الجوار وضمّها، في العراق وسورية، بعد أن استخدمتها في سرقة النفط العراقي والسوري ونهب المعامل والمصانع والآثار من البلدين.

الخلاصة، إنّ تركيز إدارة أوباما على معركة الموصل، هذه الأيام، بمسرحية إعلامية، لا تفسّرها إلا الحملات الانتخابية المحتدمة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، على أن تكون معركة الموصل رافعة لنجاح الحزب الديمقراطي، في هذه الانتخابات. ويرى خبراء، أنّ الخطط الطموحة للهجوم على الموصل، تنعكس في التكتيكات وعمق تورّط الولايات المتحدة، الذي لم يتمّ الكشف عنه بالكامل في وسائل الإعلام الأميركية، أو الحديث عنه في الحملة الانتخابية الرئاسية.