فماذا تراه إذاً؟

ما إن سيطر البلاشفة على السلطة وزمام الأمور في روسيا عام 1917 عبر ثورة اكتوبر حتى نشروا على الملأ النص الحرفي والموثق لاتفاقية سايكس بيكو التي لم تكن بعد قد مزقت شرق المتوسط العربي شر تمزيق بين انتدابين فرنسي وبريطاني..

لم يكتفيا في ما بعد بالسيطرة على هذه المنطقة، بل ذهبا نحو تمزيقها سياسياً وجغرافياً واقتصادياً. غير أن نشر نصوص الاتفاقية وافتضاح أمرها وأمر من أقدم على توقيعها والعمل بها، لم يغير شيئاً يذكر في الحياة العربية في ذلك الحين.. لا بسبب العجز عن الرد أو المقاومة فحسب، بل بسبب غياب الوعي العربي العام الذي لم يدرك حينها، بحسه الفطري الاجتماعي أو بحسه السياسي، خطورة الاتفاقية وانطوائها على مستقبل مظلم ينتظر شعوب المنطقة ومجتمعاتها !‏

حينذاك، ساهمت الأمية والجهل وافتقاد الوعي السياسي، فضلاً عن الفقر والتخلف والعجز في مرور الاتفاقية إلى التنفيذ على الأرض، وغلف ذلك كله افتقاد الإعلام وخطاباته ووسائله بما سمح بتنفيذ التقسيمات والتفتيتات على الأرض دون عناء المنفذين أو تحسبهم لأي شيء، وبما حال أيضا دون تشكل أو تبلور أو حتى نشوء رأي عام يرفض أو حتى يصرخ.. اللهم إلا بعض الهمهمات التي زفرت بها بعض النخب المثقفة وبما تجمع حولها من جماعات بشرية صغيرة ومحدودة التأثير!!‏

كان هذا قبل مائة عام مضت.. فماذا عن “ سايكس بيكو “ الجديدة الجارية اليوم على ذات الأرض وبحق ذات المجتمعات ؟ وهل للوعي السياسي العام أن يحسم ما لم يحسم قبل مائة عام ونيف ؟‏

سايكس بيكو الأولى كانت بحاجة إلى ثورة البلاشفة كي يفتضح أمرها في غياب الرأي العام العربي ووسائل تشكيله في ذلك الحين، غير أن سايكس بيكو الجارية اليوم لا تفتقد إلى محرضات وإرهاصات تشكل الرأي العام, ولا إلى الإعلام ورسائله وخطاباته وأدواته، ولا إلى الحقائق الدامغة والمؤشرات الموضوعية التي تؤكد يوماً بعد يوم أن ثمة سايكس بيكو جديدة على الطريق وأكثر خطراً وموازية تماماً لما يسمى زوراً “ ثورات الربيع العربي “.. مع ذلك لا يبدو أن ثمة رأياً عاماً عربياً فاعلاً في مواجهتها هو قيد التشكل أو التبلور ، ولا يبدو أن ثمة اصطفافاً عربياً في مواجهة من يخطط ويسوق لهذه السايكس بيكو الجديدة.. بل إن ثمة اصطفافاً إلى جانبها يدفع إلى الحيرة والتساؤل بدل أن يقدم الإجابات ؟؟‏

هل هو الوعي ؟ وهل لا يزال ذلك الوعي العربي العام الراهن في حجم ومواصفات ذلك الذي رافق سايكس بيكو الأولى والتمس لها بعضاً من عذر، ثم إن سرية سايكس بيكو الأولى كانت متوفرة لولا الكشاف البلشفي، في حين أن مروجي سايكس بيكو الراهنة ومخططيها ومنفذيها لا يشار إليهم بالبنان فحسب.. بل إنهم يجاهرون بها علانية كما لو أنها مشروع حقيقي لتحديث المنطقة العربية وتنميتها وتطويرها رغم كل ما أسالته من دماء وما تسببت به من خراب وتدمير !‏

فإن لم يكن الوعي غياباً أو هزالاً هو شاهد الزور على كل ما يجري وبوضوح وعلانية في منطقتنا العربية فماذا تراه إذاً ؟؟‏