الإدارة بين “العام” و”الخاص”.. ومطالبات للعمل بروح القانون لا بنصّه شكليّة قرارات الأول أرجأته إلى مرتبة متأخرة عن الثاني..

تركيز على القشور والجوهرية مؤجّلة
الجمعة, أبريل 3, 2015 - 4:00pm

على هامش لقاءاتنا مع أحد المديرين العامين اعتبر الأخير “أن الأنظمة والقوانين وجدت لتنظيم العمل، لكننا وللأسف دائماً منفعلون بها ولسنا فاعلين فيها”، بمعنى أنه في حال حدوث حالة خلل معيّنة نتعامل معها بردّ فعل ينسحب على الجميع، كأن يطلب مدير ما أحد موظفيه لغرض معين، وبالمصادفة يكتشف المدير أن الموظف تأخر عن عمله لسبب ما قد يكون مبرراً وخارج استطاعته، عندها يصدر المدير قرارات وتعاميم تؤكد لجميع العاملين عدم التأخر عن الدوام ومحاسبة ومعاقبة كل من لا يلتزم بتوجيهاته..الخ، وبذلك يذهب الصالح بالطالح، لأنه أكد لكل الموظفين وليس المقصّرين..!، ولم يخفِ هذا المدير انتقاده افتقار قوانينا إلى المرونة المطلوبة، وأنه من أنصار العمل بروح القانون.
قشور!
وفي هذا السياق يرى الباحث في المجال الإداري الدكتور علي حسن أن ما يعتري سيرورة العمل الإداري المترهّل في معظم مؤسساتنا الحكومية هو التركيز على القشور، بعيداً عن القضايا الجوهرية ولاسيما تلك المتعلقة بالأمور المالية وتشعّباتها على سبيل المثال لا الحصر، مشيراً في حديثه لـ”البعث” إلى أن تركيز اهتمام بعض المديرين على الشكليات –مع عدم الاستهانة بها- وإصدارهم قرارات وتعاميم تتعلق بضرورة الالتزام بساعات الدوام الرسمي والحفاظ على النظافة والانضباط وما شابه، لا يعدو –أغلب الظن- إلا أن يكون تغطية على تجاوزات من العيار الثقيل، واعتبر حسن أنه غالباً ما يكون لمثل هذه القرارات ردّ فعل عكسي وتشكل إساءة للآخرين المنضبطين، وأن المبالغة في التركيز على مثل هذه القرارات تعني عدم وجود متابعة حقيقية للإدارات وسير عملها، والأدهى من ذلك هو عدم تفهّم روح القانون، بدليل أن هذا المدير غالباً ما يتجاهل مواطن الخلل الرئيسة، دون مراعاة تأثيرها في صلب عمل مؤسسته.
مرونة
في المقابل يلاحظ المتتبّع لحالات الفساد وما يكتنفها من أساليب ملتوية، أن بعضها ناتج عن العمل بروح القانون، والتذرع بالعمل وفق (مبدأ المرونة)، والابتعاد عن الروتين، وهنا يبيّن أحد المديرين لـ”البعث” أنه يجب أن يكون لكل قانون حدود واضحة وشفافة لسدّ أية ثغرات قد تجعل الموظف يتلاعب مع المراجع وخاصة عندما يتعلق الأمر بالأمور المالية والضريبية، فالقانون في هذه الحالة لابد أن يحدّد للمكلف ما له وما عليه، تفادياً لأية محاولة من الموظف قد تدفعه إلى دفع رشوة بغية تخفيض مبلغ التكليف وبالتالي إضاعة موارد على خزينة الدولة.
وأوضح الخبير الذي يعمل في أكثر من جهة حكومية أن القوانين لم تلحظ بشكل عام طبيعة المؤسسات وحيثيات عملها، ولكن اللوائح الداخلية لهذه المؤسسات يمكن أن تقوم بهذا الدور في حال تم إعدادها بشكل سليم يلبّي احتياجاتها وخاصة في هذه المرحلة الاستثنائية بالذات، مركزاً على ضرورة التعديل من وقت لآخر دون الرجوع إلى الجهات العليا، ومبيّناً أنه في السابق كان لابد من مراجعة مجلس التعليم العالي في حال ارتأت إدارة المعهد العالي للتنمية الإدارية (على سبيل المثال) إضافة أو تعديل مقرر، لكن التعديلات الأخيرة في القوانين سمحت لمجلس الجامعة باتخاذ قرارات في مثل هذه الحالة، وذلك بهدف تحقيق المرونة المطلوبة بالعمل.
وأوضح الخبير أن القوانين الحالية فيها بشكل عام كثير من المعوّقات لسير عمل المؤسسات، نظراً لمحدودية الصلاحيات الممنوحة لمديريها، لافتاً إلى أنه في السنوات الأخيرة فتحت الدولة نافذة لتعديل القوانين بشكل أسرع من السابق، فبعد أن كان يتوجب الرجوع إلى جهات العليا من أجل تعديل قانون صغير أو لائحة داخلية أصبح بالإمكان التعديل في بعض الحالات، مشيراً إلى أن أهم خطوة لمحاربة الفساد وحماية المواطن تتمثل بوضوح القوانين وشفافيتها مهما كانت طبيعتها، إلى جانب وجود الكفاءات المهنية القادرة على تسيير الأمور بشكل يتوافق مع الإطار العام للقوانين والأنظمة النافذة.
الحل بالتوافق
يجمع أغلب المراقبين على تفوق القطاع الخاص على نظيره العام بإدارة شؤونه سواء الإدارية منها أم الإنتاجية، وذلك بسبب ما يتمتع به من حرية ومرونة أكثر من العام، فمدير أي مؤسسة عامة غالباً ما يجد صعوبة في نقل أو طرد من لا يتقيد بالنظام لكونه يتقاضى دخلاً قليلاً، إضافة إلى العامل العاطفي الذي يجعله يتغاضى عن تقصيره، في حين أن القطاع الخاص حاسم وليس لديه استعداد لتحمّل أي تقصير ويسرّح المقصّر دون أن يسأل عن مصيره، على عكس العام الذي يحاول أن يعالج الأمور دون تسريح بهدف حل مشكلة البطالة، ومردّ ذلك باعتقادنا يعود إلى أن الخاص يُغلِّب مصلحة العمل على أية مصلحة شخصية، وقد نسج قوانينه على هذا الأساس، وبالتالي نجد ضرورة أن يكون هناك صيغة توافقية يعمل بموجبها قطاعنا العام للخروج بمنتجات وخدمات ذات جودة عالية، تتمثل بالمزج بين العمل بعقلية نظيره الخاص الإدارية، مع مراعاة الجانب الاجتماعي دون التهاون في تطبيق القوانين ذات العلاقة بالقضايا الجوهرية حتى ولو كانت على حساب الجانب الاجتماعي إن اقتضى الأمر.
المصدر: البعث