من الذاكرة الجولانية... «بانياس»...تاريخ عريق .. جو لطيف .. مياه عذبة

الأحد, أبريل 26, 2015 - 1:15am

نعود بالذاكرة اليوم إلى مدينة من أهم المدن الجولانية.. إلى مدينة تعود بتاريخها إلى ماض بعيد جداً.. كان الناس يقصدونها بجوها اللطيف، ومياهها العذبة.. لنبعها الجميل الذي يغذي نهر الشريعة (الأردن) إنها مدينة بانياس.

وتدعى بانياس الحولة تمييزاً لها عن بانياس اللاذقية، وهي قرية في الشمال الغربي لقضاء القنيطرة، صغيرة بمساحتها وعدد سكانها لكنها كبيرة بمكانتها من الناحيتين التاريخية والأثرية. يحدها من الشمال وادي العسل الفاصل بينها وبين الحدود اللبنانية، ومن الشرق أراضي قريتي جباتا الزيت وعين قنية، ومن الجنوب عين فيت، ومن الغرب مغر شبعا والمنطقة المجردة بينها وبين الحدود الفلسطينية.‏

تبعد عن القنيطرة 20 كم، وتقع في حضيض الجبل المعروف بالهيش - من أعضاد جبل الشيخ فوقها، وعند منتهى وادي سعار القادم من مجدل شمس للالتقاء بنهر بانياس، وتطل على سهل الحولة الذي في غربها الجنوبي، وهي تعلو عن سطح البحر 329 متراً، وهي في موقع بهيج، فجبل الشيخ يحميها من رياح الشمال، والينابيع والقنوات الدافقة ترطب جوها، وبهذا الدفء تخضر الآكام والمنحدرات المحيطة بها اخضراراً يكاد يكون دائماً، وتبسق الأشجار المحبة للماء والحرارة، ويظل جوها دافئاً في الشتاء وحاراً مرهقاً في الصيف.‏

صخورها من جنس ما في جبل الشيخ - طباشيرية، وتربتها حمراء وسوداء. الجبال والآكام المحيطة بها هي جبل الهيش الذي ذكرناه وجبل قلعة الصبيبة وتل الأحمر وتل العزيزات وتل الفخار وبعض أراضيها جبلية مرتفعة، كانت مزدانة بكروم العنب وبقايا حراج السنديان، وكثيرها سهلية منخفضة تمتد في أول سهل الحولة.‏

في بانياس نهرها المسمى باسمها وهو أحد ينابيع نهر الأردن، وقد اشتق القدماء منه هناك عدة قنوات لسقي الأراضي، اسماؤها: قناة سد الماء، المكلسة، رأس النبع، الجوزة، والسلطان ابراهيم. وعلى هذه القنوات أقيمت عدة طواحين، بالإضافة إلى قناة الخشبة التي تقع غرب نبع بانياس، المشتقة من وادي خشبة الهابط من أنحاء جباتا الزيت. وأراضي بانياس السهلية خصبة شأن أراضي الحولة كلها، وتسقى من القنوات التي أحصيناها.‏

تمتاز بانياس بموقعها الذي وصفناه بأنه خضر جذل، تحيط بها الأنهار والقنوات والغياض والكروم وبقايا الحراج.‏

أهم محاصيل بانياس هو الزيتون الذي له معاصر تدار بالماء، وفستق العبيد والفول والبازلاء والقمح وقليل من الأشجار المثمرة والعنب. وتربى الأبقار في بانياس والقليل من الماعز بحكم وجود الأحراج حيث يعاقب من يرعى قطعانه فيها.‏

أما ماضي بانياس فحافل بكثير من الذكريات القديمة والأوصاف العديدة التي رددها مؤرخو العرب وجغرافيوهم، فقد قال اليعقوبي (من القرن 8 ه) في كتاب البلدان: «بانياس قصبة الجولان وأكثر أهلها قيسيون، وموقعها قرب الغور على حدود الحولة والجبال، وهي كثيرة الخيرات ومستودع ذخيرة دمشق».‏

وقال شيخ الربوة (من القرن 8 ه) في كتابه عجائب البر والبحر: «بانياس مدينة قديمة حصينة كثيرة الحوامض (يعني الأشجار الحمضية) وهواؤها منعش وترابها كذلك وبها مياه غزيرة وآثار لليونان قديمة».‏

وذكر الظاهري في كتابه (زبدة كشف الممالك) أن زراعة الرز كانت قائمة في جوارها، قلت: يقصد ابن جبير بكلمة (المحرث الواسع في بطحاء متصلة) سهل الحولة الفسيح، ولكن على غير مشاطرة سوى العداوة وتربص كل فريق بالثاني الدوائر، وجيوش الفريقين منتشرة على الحدود متقلدة السلاح ومتحفزة دائماً».‏

تاريخ لاينسى‏

وخرائب بانياس - على ما انتابها من حوادث الأيام، ولاسيما الزلازل، تدل على عظمة من شاهدوها وحكموها، ففيها أبراج المدينة القديمة، ومدخلها الأثري، وقواعد وأبدان وتيجان أعمدة متنوعة، وأحجار منحوتة ذات نقوش جميلة، وأمثالها من البقايا، وتكاد تجد هناك مدينة تحت الأرض. في داخلها مسجد قديم واحد، وفي خارجها وأنت هابط في طريق القنيطرة على مرتفع كنيسة حديثة رمزية بيضاء اللون، بنيت في موقع مرتفع يجله المسيحيون ويدعونه (دير بانياس)، ويعتقدون أن المسيح وقف فيه زمناً على ما سوف نذكره في تاريخها.‏

إن تاريخ بانياس يبدأ من العهد اليوناني، ولو أنها كانت موجودة من قبلها، فاليونان منذ أن استلموها كرسوا المغارة التي فوق نبع الأردن باسم الإله «بان» حارس الحقول والغابات والمواشي والصيادين، ومنها نشأ اسم المدينة الذي احتفظ به العرب وقد شيد هيرودوس الكبير أمام المغارة المذكورة هيكلاً (معبداً وثنياً) على اسم اغسطوس قيصر، لكن بانياس لم تتقدم إلا في عهد ابنه فيليبس رئيس ربع اليطورية (الجيدور)، فقد أكمل بناءها وحصنها وجعلها عاصمة ربعه، ودعاها قيصرية إكراماً لطبياريوس قيصر، وأضافها إلى اسمه فصارت (قيصرية فيليبس) تمييزاً لها عن قيصرية هيرودوس، ثم حسنها هيرودوس اغريباس الثاني ودعاها (نيرونياس) إكراماً للقيصر نيرون الظالم.‏

شواهد‏

وفي الروايات أن السيد المسيح جاء في أواخر أيامه إلى بانياس، وإنه هناك اعترف بطرس به فقال لبطرس: أنت بطرس وعلى هذه الصخرة ابن كنيستي.. إلخ.‏

وفي القرن الرابع جعلت مركز أسقفية، ومد الرومان وقتئذ من بانياس إلى دمشق أرصفة، المشهود منها ذلك الذي يتجه نحو الشمال الشرقي ماراً بمجدل شمس ومزرعة بيت جن وبيت تيما وقطنا ودمشق، وذلك الطريق يتجه نحو الجنوب الشرقي صاعداً نحو بقعاثا واوفانيا وتل دية وسعسع وخان الشيح وكوكب وداريا ودمشق.‏

وفي سنة 15 ه فتح المسلمون بانياس حين فتحهم بلاد الشام، وسكتت التواريخ عن ذكرها عدة قرون، ما عرفنا كيف كانت حالتها خلالها إلى أن صارت تذكرها بمناسبة الحروب الصليبية، فقد تعرضت بانياس لغارات مكررة وتداورتها أيدي الصليبيين والمسلمين مراراً، وقبل مجيء الصليبيين كانت في ولاية الأتابك ظهير الدين طغتكين، صاحب دمشق، إلى سنة 520 ه.‏

وظلت بانياس وقلعة الصبيبة في يد الافرنج، يغيرون منها على قرى الجولان، ولما تملك نور الدين محمود زنكي في دمشق صار يغادي بانياس ويراوحها فيخفق أول مرة وثانيها، إلى أن وفق لفتحها في سنة 560 ه فثبتت من ذلك الحين في أيدي المسلمين، وصارت ثغر بلادهم تجاه البلاد التي كانت في يد الصليبيين، كما قال ابن جبير فيما نقلناه عن رحلته.‏

وفي عهد صلاح الدين الأيوبي أعطاها ولده الملك الأفضل، فبقيت في يده إلى أن استولى عليها عمه الملك العادل سيف الدين أبو بكر، وفي سنة 630 ه حكمها الملك السعيد حسن فبقيت في يده، ورمم خلال ذلك الحصون والأسوار، وتشهد بذلك الكتابات العربية الموجودة حتى الآن في بانياس، وظلت في يد السعيد حسن إلى أن استخلصها منه الصالح نجم الدين أيوب سنة 644 ه. ولما توفي الصالح رجع السعيد حسن واستلمها إلى أن قبض عليه الناصر صلاح الدين بن عبد العزيز محمد، وسجنه في قلعة البيرة (على الفرات)، وأخذ بانياس سنة 649 ه.‏

وقرية بانياس الحالية مبنية في مكان المدينة القديمة، وهذه لم يبق منها سوى بعض قطع من الأعمدة والحجارة المنحوتة، تجدها مقحمة بين جدران بيوت القرية الحالية، ومبعثرة في حواكيرها، حتى إنهم في سنة 1953 حينما فكروا بتحويل نهر بانياس وبدؤوا يحفرون وعثروا على نقوش بديعة من الفسيفساء وفصوص خواتم على بعضها صور آلهة، منها ديانا آلهة الصيد، وعلى بعضها نقوش عربية كوفية من عهود العرب والصليبيين.‏

أما القلعة فمشيدة فوق مرتفع مثلث الشكل محصور بين نهري سعار وبانياس قبيل التقائهما، وجدران هذه القلعة متقوضة جداً لم يبق ظاهراً منها إلا القليل.‏

وكانت جدران الأسوار مدعومة بأعمدة روابط أقحمت في هذه الجدران، كما هو الحال في كثير من القلاع، وهذه الأعمدة إما من حجر البلاد الكلسي وإما من الحجر المحبب (الغرانيت) الأسود المرقط المجلوب من صعيد مصر، وكلها من بقايا المباني التي كانت في العهد الروماني.‏

وكانت حصون بانياس تمتد على طول ضفة النهر في الشرق والغرب، إلا أنها إلى الآن خراب والمداميك السفلية في هذه المباني مؤلفة من أحجار ضخمة منحوتة نحتاً بارزاً (صورياً) تدل على عراقتها في القدم .. أما المداميك العليا فهي من العهود الإسلامية، كما تشهد بذلك بقايا الجدران المبنية من أحجار كبيرة، مجلوبة من أماكن أخرى، وقطع الأعمدة، والكتابة العربية السابقة الذكر.‏

أبناء بانياس كما باقي أبناء الجولان المحتل يتوقون إلى ذلك اليوم الذي تعود فيه مدينتهم كما باقي مدن وقرى جولاننا الحبيب إلى الوطن الأم سورية، وإن هذا اليوم ليس ببعيد.‏