مـن ذاكرة وطن...

الأحد, أبريل 26, 2015 - 12:30am

إن قصة رابطة الإخاء المسيحية الباكرة في أنطاكية – حيث أطلق على أتباع الدين الجديد اسم المسيحيين لأول مرة ( أعمال الرسل 11:26) تعتبر من أهم العوامل التي أكسبت تلك المدينة حقها في الامتياز عن سواها

و فضلاً عن ذلك فإنه من خلال مراحل تطور المجتمع المسيحي , كانت أنطاكية بمثابة حلقة الاتصال بين العالم القديم و العالم الحديث .‏

و في عهد السيد المسيح , كان قد أنشأ في أنطاكية وضع ديني خاص كان من شأنه أن يجعل تلك المدينة شديدة الصلاحية لتلقي المسيحية حينما وصلت إليها . و ذلك أن أنطاكية – أسوة بالمراكز الأخرى التي كانت قد ازدهرت فيها الديانة و الفلسفة الهلينيسيتان – كانت قد شهدت التغييرات التي عرفت بها الحقبة الأخيرة في العصر الهلينيسي , حينما كانت المذاهب الدينية و الفلسفية القديمة آخذة في التحول إلى معتقدات فردية تبعاً لانصراف الناس إلى التماس العزاء الديني عن مشاكلهم ومطامعهم الشخصية . و ضلاً عن ذلك فإن المدينة , بحكم أنها كانت مركز التقاء الحضارتين الإغريقية و الشرقية , و أنها كانت تزخر بالإغريق المستشرقين و الشرقيين المتأغرقين من جميع الطبقات و على مختلف درجات التعليم , فقد أصبحت تشتمل – كجزء من كيان حياتها اليومية العادية – ليس على مجرد المذاهب الدينية الإغريقية القديمة الراسخة لعبادة زيوس و أبولو و باقي جمهرة هذه الآلهة , بل تشتمل كذلك على المذاهب السورية لعبادتي (بعل – Baal) و الآلهة الأم – و قد شبها إلى حد ما بزيوس و أرتميس – فضلاً عن الديانات ذات الأسرار بعقائدها عن الخلاص و عن الموت و البعث ووعودها لما بعد الحياة . و لما كانت انطاكية من أكبر مدن الامبراطورية الرومانية و من أعظم المراكز التجارية في العالم القديم و كانت لها من أعمالها اتصالات ترتبط بجميع أنحاء الإمبراطورية فإنها كانت تشهد غدو و رواح أناس من جميع الأصناف حاملين أنباء ما يجري من الأحداث في كل مكان في العالم الروماني .‏

و عندما بدأ ظهور الاضطهاد في القدس , و بعد إعدام استفانوس, فر من المدينة كثير من أتباع السيد المسيح و أوغلوا في سفرهم حتى بلغوا فينيقيا و قبرص و أنطاكيّة ناشرين الدعوة بين اليهود . غير أنه حدث في أنطاكيّة أن بعض اللاجئين – من اليهود المتأغرقين ( ممن كانوا يتكلمون الإغريقية ) الوافدين من قبرص و قورينة – شرعوا ينشرون الدعوة ليس بين اليهود حسب , بل كذلك بين الوثنيين الذين كانوا يتكلمون الإغريقية .‏

و كان من أوائل المهتدين رجل من أنطاكية من أصل غير يهودي يدعى نيقولاس , و قد أصبح أحد الشمامسة السبعة في القدس . و لم يصل إلى علمنا ما إذا كان قد ذهب إلى أنطاكية مع المبشرين الأوائل عندما وقع الإضهاد بيد أنه من اليسير الإعتقاد بأنه كان خليقاً به أن يفضل ذلك على البقاء مختفياً في القدس .‏

و لقد كللت جهود اليهود المتأغرقين بنجاح كبير في أنطاكية , و نشأت الدعوة بين العناصر التي لا تدين باليهودية . و لاشك أن أوائل من تمت هدايتهم كانوا من هذه العناصر ممن سبق أن اجتذبتهم اليهودية إليها .‏