العدوان على سورية
وتفاهة المُغفَّل والعميل

في مقال خصَّصه الكاتب حازم صاغية للاعتداءات الإسرائيليّة على سورية في صحيفة الشرق الأوسط السعودية، استنتاجات من نوع اتهام الدولة السورية وقوى المقاومة بخوض عملية انتحار وتدمير ذاتي، فيقولالمدهش في ذلك أمران، أن المقاوم، أكان فلسطينياً في الستينيات أم لبنانياًإيرانياًسورياً بعد ذلك، لا يطمح بتحقيق انتصار، ولا بتحقيق تكافؤ، ولا بمنع عدوان محتمل. إنه يعلم أن هذا ليس في الوارد تبعاً لتوازن قوى عسكريّ حاسم، الاختلال لمصلحة العدوانية الإسرائيلية.. والأمر الثاني أن المقاوم إياه لا يستوقفه الأذى الذي يُنزله به عدوّه، من دون أن يكون هناك أي أفق لمعركته وأي أمل في أي مكسب سياسي يُجنى منها”.

ليس المهم ما يقوله صاغية المنضبط بسقوف السياسات السعودية والأميركية والمنهج التطبيعي، والمسوق لتعميم اليأس تبريراً للاستسلام للمشروع الأميركي وتبرير الحقد والعداء لمشروع المقاومة. فالمهم هو مناقشة جوهر الفكرة التي قد يطرحها صاحب نية طيبة، أو غير مطلع على طبيعة المواجهة، أو متحمّس للمواجهة، أو مغفَّل أو عميل، لكن السؤال الذي يهم تقديم جواب عليه، هو هل يوجد مشروع لدى محور المقاومة وخطة للمواجهة؟ وهل الصبر على الردّ وتحمّل الضربات هو في خدمة هذه الخطة؟

يكفي استعراض السنوات التي تربع فيها دونالد ترامب أهم أصدقاء «إسرائيل» في البيت الأبيض كما يصف نفسه ويصفه الإسرائيليون، لطرح السؤال عن الخط البياني خلالها، فقد قام الأميركيون والإسرائيليون بشنّ غارات وقتل مقاومين وتدمير بنى عسكرية واغتيال قادة كبار وقدموا صفقة القرن وأنجزوا حملات التطبيع وتجاهلوا الشعب الفلسطيني وأي مشروع للنظر الجدّي بقضيته وحقوقه ولو من باب البحث عن تسوية، لكن ماذا عن توازن القوى الذي يتحدّث عنه صاغية، فمقابل هذه المكاسب على الورق من جهة وعمليات الاستنزاف لقوى المقاومة من جهة مقابلة، ماذا تقول وقائع الميدان عن نتائج هذه السنوات، أليس واضحاً أن الدولة السورية قد نجحت في استرداد أغلب جغرافيتها من أيدي الجيوش الرديفة للحرب الأميركية الإسرائيلية التركية الخليجية، التي يمثلها الإرهاب التكفيري، فمن معركة حلب قبل أربع سنوات وانتصارات الجيش السوري متدحرجة، أليس واضحاً أن تصاعد قوة أنصار الله في اليمن لحد الإمساك بمفاصل أمن الخليج والملاحة والطاقة قد تحقق في هذه السنوات؟ أليس واضحاً أن الهزيمة التاريخية لتنظيم داعش في العراق قد تمّت في هذه السنوات وكانت حصيلتها تبلور قوة مقاومة عراقية واضحة ومنظمة وشديدة الاقتدار؟ أليس واضحاً أن المقاومة الفلسطينية قد امتلكت القدرات النوعية التي مكنتها من بلوغ صواريخها جدار تل أبيب، وها هي تقيم أول مناورة عسكرية عربية في فلسطين المحتلة تحت عيون المحتل، وذلك التنامي للقدرات تم خلال هذه السنوات، والسؤال الأكبر الذي يؤرق الأميركيين والإسرائيليين، ألم يمتلك حزب الله الصواريخ الدقيقة ويراكم مخزونها خلال هذه السنوات، وبالمقابل ماذا استطاع الأميركي والإسرائيلي أن يفعلا غير حفلات التطبيع التي تصالح فيها المتصالحون وتحالف خلالها المتحالفون، فهل اشترت احتفالات التقبيل الخليجية الإسرائيلية أمناً لكيان الاحتلال يعترف كل قادته بفقدانه؟ وهل غيّرت موازين القوى على مدى قاب قوسين من عواصم الخليج، حيث اليمن شاهد حيّ على حقيقة التوازنات؟

السؤال يبقى رغم ما تحقق من إنجاز واضح، هو هل هناك خطة والجواب نعم. وإنكار صاغية في متن مقاله لجدوى المعارك التي خيضت من دول الطوق لفلسطين المحتلة، خصوصاً مصر، تكذبه تجربة حرب الاستنزاف ولاحقاً حرب تشرين عام 73، وتكفي العودة لمذكرات قادة الكيان للتعرف إلى حقيقتين، الأولى أن حرب تشرين هددت في العمق أمن الكيان لولا الانعطافة التي قام بها الرئيس المصري أنور السادات لحساب المعسكر الذي ينتمي إليه صاغية، والثاني أن ما تحمّلته مصر من خسائر خلال سنوات ما قبل حرب عام 73 كانت الأساس في تمكين مصر من بناء جدارها الصاروخيّ الذي شكل ركيزة التحول النوعي في الحرب.

يعرف صاغية ما هو معلن من الأميركيين والإسرائيليين، بالاستعداد لمغادرة الأميركيين لسورية ووقف الإسرائيليين اعتداءاتهم، إذا قبلت سورية ومن خلفها قوى المقاومة، التي تضع خططها في سورية تحت سقف قرار الدولة السورية مهما هزّ صاغية برأسه مستهزئاً، بالتخلي عن فرض معادلة ردع على جبهة الجولان توازي تلك التي تحكم جبهة جنوب لبنان، وليس خافياً الربط الأميركي والإسرائيلي للضغط على سورية بهذا العنوان، فيما القيادة السورية تضع في أولوياتها الإعداد لمعركة تحرير الجولان، وحماية المقاومة التي لا تزال مشروعاً راهناً وستبقى، ولا يمكن لانطلاقها أن يتحول خطة تحرير قبل تبلور ميزان الردع اللازم، وهو ميزان يجري بناؤه بمثابرة وثبات وتبذل في سبيله التضحيات، ومحوره امتلاك شبكة دفاع جوي قادرة على نقل الحماية من معادلة جرى فرضها منذ عام 2018 منعت بموجبها طائرات جيش الاحتلال من دخول الأجواء السورية بعد إسقاط طائرة الإف 16 المتطورة عبر الدفاعات الجوية السورية الى معادلة الحماية الكاملة للأراضي السورية، وحتى ذلك الحين تقوم شبكات الدفاع التي يعرف بوجودها جيش الاحتلال بمشاغلة الاعتداءات وتعطيل أغلب مفاعيلها، وبالتوازي يجري السعي لامتلاك سورية والمقاومة لشبكة صواريخ دقيقة يتمّ تصنيعها وتوضيعها ونشرها وامتلاك الخبرات اللازمة والخطط المرافقة لجعلها عنصر الردع الحاسم في أي مواجهة مقبلة، وجيش الاحتلال وقيادته السياسية والقيادة السياسية والعسكرية الأميركية يعرفون ذلك جيداً، ولذلك فهم يستهدفون ويسعون لاستهداف عملية البناء، في محاولة يائسة لوقفها، ويعلم كل أعداء سورية أن العملية تتقدّم وبثبات رغم الخسائر والتضحيات، ويكفي كلام السيد حسن نصرالله عن مضاعفة مخزون المقاومة من الصواريخ الدقيقة خلال العام الماضي فقط، دليلاً على المسار المرسوم والمستهدف، وفشل محاولات وقفه، في آن واحد.

في معادلة الزمن يعلم صاغية ويعلم الأميركيون والإسرائيليون، فشل كل الخطط الإسرائيلية للاستثمار على رفع المقدرات لدرجة تتيح استرداد قدرة الردع، أو بناء شبكة أمان صاروخية من صواريخ المقاومة، وقد بات كيان الاحتلال مطوقاً من كل الجهات بشبكات صاروخية ممتدة من غزة الى اليمن والعراق وسورية ولبنان وإيران، كما فشلت مناورات الحرب البريّة ومناورات الجبهة الداخليّة، ما يعني أن الفجوة التي صنعتها المقاومة كمحور تشكل سورية قلعته المتقدّمة، لحساب تقدمها في موازين القوة، تتسع وتكبر بحيث لا يبدو اليوم الذي تسيّل فيه هذه المقاومة حقوقها في الردّ بعمليات موجعة لكيان الاحتلال بعيداً، فتضعه بين خياري تحمل المهانة والخسارة وانقلاب الصورة، وعندها ستكون المقاومة في الجولان وسائر الأراضي الفلسطينية المحتلة مستندة الى جدار قوة لا يتزحزح حتى تحقيق أهدافها، أو الرد والانزلاق نحو مواجهة قد أُعدّ لها مسرح توافرت فيه عناصر التفوّق لحساب سورية وقوى المقاومة، وربما تكون عندها الحرب الفاصلة في المنطقة.

– «المدهش في ذلك يا استاذ صاغية أمران غير «أمرَيْك»، الأول أن المقاوم، يطمح لتحقيق انتصار، ويتقدّم بثبات لتحقيق تفوّق وليس مجرد تكافؤ، وبلوغ حد أكثر من منع عدوان محتمل بل ردع فكرة العدوان نفسها، لأنه يعلم ما يفعل ويعلم أن هذا ممكن، ودليل الإمكان هو الوقوع، وأن قلب المعادلات لصالح توازن قوى عسكري حاسم ينقلب فيه الاختلال من ضفة العدوانية الإسرائيلية الى ضفة المقاومة ممكن وممكن جداً، وهو قادم وقادم قريباً. والأمر الثاني أن المقاوم إياه لا يستوقفه الأذى الذي يُنزله به عدوّه، لأنه يرى بوضوح أفق معركته ويبني آماله على وقائع وحقائق بعيداً عن تفاهات السعي لمكسب سياسي أو إعلاميّ».