هل يتوجّه الرئيس الأسد نحو عقدٍ اجتماعيٍّ جديد؟

لوقتٍ طويل انعدم التكافؤ في الحوار بين العلمانيّين والمتديّنين في الشارع السوري، وأحياناً أصابته الضبابيّة والتشويش لأسبابٍ عديدة.

سبعون دقيقة، هي أقصى ما أتاحه لقاء مسجد العثمان، من أجل إعادة تصويب الكثير من النقاط الأساسية، حول مفهوم المؤسسة الدينية الإسلامية ودورها في سوريا.

وقد لا يكون اختيار الرئيس بشار الأسد توقيت هذا الحديث، بمناسبة وجود المئات من العلماء الدينيّين والداعيات خلال اجتماعٍ موسّعٍ لوزارة الأوقاف السورية أمراً بعيداً عن أسلوب الرئيس، الذي لطالما عقد لقاءاتٍ مشابهةً سابقاً، وإن كان اختيار المكان في جامع العثمان مختلفاً عن خياراته المعتادة، فمعظم هذه اللّقاءات تتمّ عادةً في القصر الرئاسي.

لكنّ قرار الرئيس السوري، أن يخرج الحديث، ومن هذا المكان تحديداً، إلى العلن والتداول العام، قد يكون هو الجديد في الأمر، فالأسد يعيد التّوازن إلى الحوار، على أساسٍ فكريٍّ منهجيٍّ وليس فقط دينيّ بين جميع السوريين.

لوقتٍ طويل انعدم التكافؤ في هذا الحوار بين العلمانيّين والمتديّنين في الشارع السوري، وأحياناً أصابته الضبابيّة والتشويش لأسبابٍ عديدة، أبرزها أنّه ليس ثمّة تمييزٍ واضحٍ بين العلمانية التي تعني احترام الأديان واحترام حرّيتها وبين من يراها حصراً فصلاً للدين عن الدولة. كلام الرئيس الأسد كان قاطعاً بأنّ ذلك لا يعني فصل الدين عن الدولة لأنه سيعني حكماً فصل الدين عن المجتمع، وهذا غير صحيح في بلدٍ عقائديٍّ كما سوريا.

المؤسسة الدينية لم تكن بطبيعة الأحوال بمنأى عن الاستهداف، ومَن هاجمها لم يعرف تماماً الدّور الذي كانت تقوم به، في مقاربة وضعٍ معقّدٍ اجتاح المنطقة برمّتها، في ظلّ مدٍّ دينيٍّ متطرّف، مدعومٍ استخباراتيّاً وعسكريّاً من الغرب، فلا خطر يتهدّد الإسلام بقدر ما استهدفه المتعصّبون والمتشدّدون، فالإسلام لا يحتاج لمن يدافع عنه، لأنّه منتصرٌ بذاته وبتعاليمه ومقاصده.

لكن لماذا يختار الأسد سلوك هذا الطريق الملتبس على الكثيرين في الدفاع عن المؤسسة الدينيّة، ولماذا أراد أن يجعلها رديفاً للجيش السوري في حماية سوريا والوقوف بوجه الفتنة والتقسيم، رغم معرفته بأن التّيارات المتشدّدة لا تدين بالولاء لهذ المؤسسات؟ 

 قد يكون الجواب، بأن الرئيس السوري، أراد الخروج بصيغةٍ لعقدٍ اجتماعيٍّ جديدٍ جامِع، مع مشارفة الحرب على نهاياتها العسكرية، وأراد الردّ على تشدّدٍ من نوعٍ آخر، في مبالغةٍ علمانيّةٍ تتمسك بمفاهيمَ فضفاضةٍ، واستهداف كل من يقف ضدها، المتديّنون ليسوا خصوماً بل شركاء في الوطن.

الأسد لم ينتظر انتهاء الحرب، فهو يريد ورغم الانتقادات، تناول قضايا ذات طابعٍ فكريٍّ وعقائديٍّ في الوقت الذي تواجه فيه سوريا تحدياتٍ اقتصاديةٍ ومعيشيّةٍ خانقة، أبعد من مجرّد طرح مفاهيم وأفكار، الأسد يريد استعادةً تدريجيّةً لاستقرارٍ اجتماعيٍّ تأذّى، ومفاهيم بدّلتها الحرب، في العروبة والإسلام والعلمانيّة، واختبار قدرة المجتمع على الحوار بين مختلف مكوّناته الفكريّة والطائفيّة، فهل يتوجّه الأسد لصياغة عقدٍ اجتماعيٍّ جديد؟