التحقيق يزيد اقترابَنا من الفوضى بدلاً من تخليصنا منها

ليست القضية اليوم بعد صدور ادعاء المحقق العدلي فادي صوان على رئيس الحكومة حسان دياب، هي في حملة التضامن التي لقيها دياب، والتي جاءت رداً عفوياً على مظلومية شعر بها أغلب اللبنانيين، واستضعاف واستهداف لا مبرر لهما في قضية تفجير المرفأ، الناجم أصلاً عن محطات تبدأ بكشف ألغاز وصول الباخرة المحملة بالمتفجرات، بغياب جهة تصدير واضحة وناقل واضح وجهة مستوردة واضحة، وتمرّ بفك الألغاز القضائيّة والأمنيّة المتصلة بالتغاضي عن بقاء هذه المتفجّرات وإهمالها معالجاتها رغم معرفة مؤسستين كبيرتين هما الجيش والقضاء بخطورة المواد، والتعامل معها، إما بطريقة تعليمات قضائية بتعويم الباخرة، أو تعليمات عسكرية ببيع المتفجرات مع عنوان للمشتري، وتصل الى فك شيفرة ما إذا كانت هذه المتفجرات قد شكلت مصدراً لتجارة تحت الطاولة ممتدة لسنوات، وما إذا كان لها صلة بتغذية جماعات إرهابية بهذه المتفجّرات، وآخر شيء والأقل أهمية، بعد كشف هذا التسلسل الجرمي، البت بمسؤوليات التقصير والإهمال لدى المسؤولين السياسيين، الذين يشكلون في أحسن الأحوال سلطة وصاية على أربع جهات لها استقلالية إدارية وقانونية، هي الجمارك ومرفأ بيروت والهيئات القضائية وقيادة الجيش. والسياسيون مسؤولون طبعاً بصفتهم سلطة سياسية، لكن الذي ننتظره من التحقيق هو الكشف عما إذا كان لبعضهم تورط جرميّ في التغطية المتعمّدة على بقاء هذه المتفجرات.

ما ينتظر من التحقيق المساعدة على فهم سياقين سياسيين ولدا بالتزامن والتوازي مع تفجير المرفأ، والإجابة عما إذا كانت لهما ثمة علاقة به، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الأولى هي مسار التطبيع الخليجي الإسرائيلي، وقد صار مكشوفاً حجم الرهان الإسرائيلي على احتلال مرفأ حيفا مكانة مرفأ بيروت في تجارة الترانزيت للخليج، والثانية هي المنصة التي منحها التفجير لمداخلات دولية تحرّكها مصالح كبرى تتصل من جهة بالنفط والغاز ومشاريع الترسيم، ومن جهة موازية بفتح الطريق لوصاية دولية شكل الحضور الفرنسي عنوانها.

بعد أربعة شهور شعر اللبنانيون أن سقف ما يسعى اليه التحقيق هو ملاحقة ورقيات الإدارات اللبنانية والمراجع ذات الصلة، تحت إيقاع حركة تصدّرت وسائل التواصل الاجتماعي، عنوانها، كانوا يعلمون، بينما ما يريده اللبنانيون، هو مَن هم الذين كانوا متورّطين أولاً، من دون إهمال مَن كانوا يعلمون، فخبرية التلحيم لم تقنع أحداً، وكما في حملة كانوا يعلمون، كانت حملات نريد رؤوساً كبيرة، في خلفيّة ما صدر من ادعاء، لكن تمّ تجاهل الحملة الأهم تحت عنوان، كلن يعني كلن، فجاء الادعاء ببعض مجتزأ من لائحة سبق وراسل بها المحقق العدلي مجلس النواب، صدمة للرأي العام.

لا يُلام الرئيس دياب الذي صُدم من الاتهام والاستهداف، واعتبره قتلاً للأمل بقيام دولة، كان يحرص على بثه رغم السواد المهيمن على المشهد السياسي، عندما يتلقف كل دعم وتأييد، وخصوصاً عندما يأتيه تأييد رؤساء الحكومات السابقين وفي مقدمتهم الرئيس سعد الحريري. ولا يُلام الحريري الذي تخطّى الحاجز السياسي الخلافي ليتضامن مع دياب، ولا تصحّ هنا مقولة الطوائف تحمي أبناءها، كأن الادعاء كان في مكانه ورسمت بوجهه خطوط حمراء، فدياب ليس مرتكباً بنظر اللبنانيين لتحميه الطائفة، بل الادعاء المجتزأ منح اللعبة الطائفيّة فرصة التدخل وفرض حضورها، ولو جاء الادعاء بالأسماء التي وردت في رسالة المحقق العدلي الى مجلس النواب ومعها أسماء القضاة والقادة العسكريين المعنيين لصفق اللبنانيّون، الذين شكّل تضامنهم مع دياب سبباً لفتح الباب لرفع متاريس سياسية، ربما تشكل منعطفاً سلبياً في مسار التحقيق، وربما في مسار النظام القضائي، بل ربما في مسار دفع لبنان نحو الفوضى، فهل كان التنسيق القضائي اللبناني الفرنسي في التحقيق سبباً للتمهيد للفوضى، بعدما كان الرهان على التحقيق لأن يشكل منعطفاً في مسار القضاء وعبره في مسار بناء الدولة وتجاوز خطر الفوضى؟