أوضاع العالم في عيون الصغار....

 في حُمَّى الارتباك العالميّ في مُعاينةِ جائحة الكورونا التي تطغى في هذه الأيّام على كلّ حدث أو خبر عالميّ آخر ، يدخل معها الكثيرون في النّظر إليها عن قرب و مباشَرة ؛ و قلّما يُفلح أو سيُفلح هؤلاء في وضع هذا الوباء موضعه الصّحيح و الواقعيّ ، بالوصف و التّحليل المناسِبين ، نظراً للطّريقة المبهمة ، و التي ستبقى مبهمة ، في " اختراعه " و نشره و انتشاره ؛ و يدخل معهم في هذا التّخبّط و الارتباك و الإسراع في السّبْق الإعلاميّ ، المهنيّ ، الممجوج ، أشخاصٌ " أصحاب رأي " يَزيدون من ضياع العالم ، من منابرهم المختلفة.

 

1 -   في هذه التّصرّفات و الاجتهادات المفتعلة ، ذات الخلفيّات المحقونة غير المُعلن عنها ، في حال لم تكن مقصودة و مُسيّرة بدوافع و حوافز سياسيّة مباشرة تقوم على التّأثير المادّيّ و الجريمة و العنف المتمثّلين في آليّتها و أخلاقيّاتها ، فإنّنا نكون أمام تقليد عامّ و قديم و هو استثمار كلّ حدث عالميّ ، يأخذ باهتمام الشّعوب إلى أقصى صدقيّتها و تعاطفها ، بصيغةٍ " إعلاميّة " لا تخرج عن محدّدات و بواعث و أغراض الأسطول الإعلاميّ العالميّ الذي باتت معروفة بيئته " الإمبرياليّة " ، بالتّزوير و تشويه الحقائق و صناعات أخرى بديلة عن الحقائق ، في توجيه هذا الانتباه ، و معه العقول ، نحو الأهداف الأخيرة للماكينة الإعلاميّة العالميّة ، و هي تشكيل رأي عام عالميّ حسّيّ و شعوريّ وثقافيّ ، و " أخلاقيّ " أيضاً.. نحو تمييع أصول و أسباب كلّ حدث كبير ، ليبدو في غير موضعه الحقيقيّ ، و ليتمّ إخراجه على الطّريقة الغربيّة التّقليديّة في وضعه في إطار البراءة السياسيّة التي يدّعيها الغرب الإمبرياليّ ، حتّى الآن .. أو إلى توجيه الشّعوب ، جميع الشّعوب ، إلى طريقة خاصّة و مشتركة و واحدة في الإدراك ، في ما " تحتاجه " شعوب الأرض – كما قد جرى تعويدها عليه - من تصريحات و أفكار تبدو عليها " المسؤوليّة " ، و في الأقلّ " الاحترافيّة " و " الاختصاص" ، في تبنّيها الوكالة المزيّفة عن تلك الشّعوب ، بالنّيابة عنها في العقل و الذّكاء و التّفكير و الخبرة و المهارة و صناعة "اليقين" ، و القيام بالعمل "المناسب"..(!) ، و في الوقت المناسب ، لأنّ " الوعي العالميّ " ، كما هو الأمر في الفيزياء و الوجود ، لا يقبل الفراغ..

 

 2 - نواجه اليوم انزياحا سياسيّا و اجتماعيّا دوليّا شاملا في طريقة و أسلوب تلقّي " الحدث " من قبل الوعي العالمي العامّ ، نتيجة لاختلال العالم . لا ينجو من هذا الواقع جميع الدّول و الشّعوب في العالم ، بما فيها شعوب دول ما يُدعى " الدّيموقراطيّات الغربيّة الليبراليّة " ؛ و هو الأمر الذي يُقلق استقرار " الدّيموقراطيّات الليبراليّة " في الغرب ، ما يدفع معظم سياسييها و إعلامييها ، بمن فيهم المتجنّسون الجدد بالجنسيّات الغربيّة ، الذين هم من " أصول" ثقافيّة و لغويّة عربيّة ، إلى التّجنّد لاستغلال هذا الحدث الفايروسيّ العالميّ ، من أجل الدّفاع عن " الغرب " الذي كان قبلتهم بالانتماء الاختياريّ ، و هم يدافعون في الحقيقة - في مواقفهم و خياراتهم النّغلة ، المشبوهة و القائمة على الحقد على أوطانهم و السياسات المتواضعة التي تحكمها - عن أنفسهم ، في الأصل و ليسَ في السّياق.

 

 3 - النّغمة الإعلاميّة الأخيرة التي يعزفها إعلاميّون سياسيّون ، " عرب " و مستعربون ، يعيشون في بلدان و دول التّبجّح و النّفاق الغربيّ ، " الأوربيّ" و " الأميركيّ" ، هي الدّفاع " المبدئيّ." عن صيغة الدّيموقراطيّات الغربيّة الليبراليّة المتهاوية تاريخيّاً إلى نماذج فريدة من الدّكتاتوريات و الإمبرياليّات المتهاوية ( بحكم المنافسة و الاحتكار و الأنانيّة المحدودة و التّاريخ و التّبدّل و التّحوّل و الفساد و الاهتراء في الزّمان ) ، و ضمناً الهجوم و التّهجّم و التّنمّر على أوطانهم " العربيّة " الأمّ ، مُطلقينَ هناك نظريّاتهم المعلوكة في الأفواه بين الرّغبة و الشّهوة و السّعار ، و التي تصبّ جميعها في الدّفاع عن الحاضر العالميّ الظّالم و المشوّه الذي صنعته دول " الاغتراب " ، خوفاً من " المستقبل " الدّوليّ و العالميّ الذي بدا أنّ رياح التّغيير فيه قد بدأت ، في شكل أزمة اقتصاديّة و سياسيّة عالميّة ..

 

4 -  و هذه الأزمة لن تهدأ إلّا بعد اختراق أسس تلك " الدّيموقراطيّات " و " الليبراليّات " ، و زعزعة دعائمها الأقوى و المتمثّلة بنُظم الحكم فيها التي تعتبر أكثر النّظم إقصائيّة للإنسان في التّاريخ ، من جهة خطورتها على الشّكّ السّياسيّ العفويّ ، و إلغائه بواسطة أكاذيب و ألاعيب ولّاديّة حول " الانتخابات " و " البرلمانات " و " الدّيموقراطيّات " ، و التي هي بمعظمها ليست أكثر من ممارسة التّغمية ( أو الاستغماءة ) المنظّمة لشعوب و أفراد تلك الدّول ، و التمثيل عليها و النّفاق ببعض " الهوامش " الاستهلاكيّة الفائضة عنها ، و منحها لشعوبها المنفصلة عن الواقع العالميّ ، و تسكيتها لها ببعض فتات الرّفاهيّة و بعض الكلمات و الشّعارات التي تدغدغ مشاعرها و فطرتها و محدوديّتها.، و كذلك عجزها ، أيضاً ، لإعادة إحكام السّيطرة عليها ، و خنقها بالثّقافة السّهلة، و دحرها خارج مجال العمل السياسيّ المباشر و التّدخّل في الشّأن العامّ.

 

5 -  في موقع " خمس نجوم " الإلكترونيّ ، لمؤسسه و رئيس تحريره الكاتب والإعلامي العربي البارز ( د . سامي كليب ) ، نشر المدعو ( مفيد الديك ) - دبلوماسي أميركي سابق و كاتب ، يوم الإثنين 6 أبريل/ نيسان الحالي ، 2020م ، موضوعاً بعنوان: " أين هي مواقف الدول والشعوب الشرقية "الصديقة" للعرب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي؟"، يأخذ فيه " بوز " المدافع عن القضايا العربيّة ، مع أنّ جوهر موضوعه " الغثّ " – السّميك ، هو دفاعٌ عن دول " الدّيموقراطيّات الغربيّة الليبراليّة " ، و ذلك – كما يقول الكاتب - لأنّ.. " الكم الأكبر في هذه المنطقة العربية ، يتقبل ، للأسف ، هذا الكم الهائل من هذه الفيديوهات والرسائل الإعلامية المغرضة والترجمات الرديئة ضد الغرب حتى لو كانت غالبية شعوب هذه المنطقة تعشق كل شيء.. " صُنع في " الدول الديمقراطية الليبرالية الغربية – من الهاتف الجوال ، إلى الإنترنت ، إلى السيارة وأفلام هوليوود ، وصولا إلى موسيقى ألفيس بريسلي".

 

 6 -  و كغيره من المُنبهرين بالغرب ، الممسوخين أمام شكلانيّته السّميكة ، الفارغة و الهشّة ، يتنكّر ( الدّيك ) بهيئةِ المراقب الموضوعيّ الذي يستطيع التّمييز بين مختلف مداميك و فضاءات البنيات السّياسية للدّول الديموقراطيّة الغربيّة ذات الليبراليّات المعاصرة ، ليقوم بوقاحة إعلاميّة غير مسبوقة ، ينتقد فيها ، بخفر " بعض " السّياسات " الخارجيّة " ، و حسب ، لدول الديموقراطيّات الليبراليّة ، و لكنْ من دون أن ينسى أن ينعت الدّول المواجهة لها و بعض الدول الأخرى التي هي على نقيض و خصومة أساسيّة و جذريّة مع " الغرب " ، بالشّموليّة و الاستبداديّة ، و يخصّ بالذّكر ، روسيا و الصّين ، و " العرب " – و بدون تحديد ، بالنّسبة إلى العرب.. - و هو ما أصبح تقليداً لدى أمثال ( الدّيك ) ، في غزل وقح و مباشر و تحريض موتور لشعوب هذه الدّول ، على حكوماتها " الوطنيّة " ، و ذلك مهما كانت درجة عجز و تواضع بعض هذه الدّول في عمليّة التّنمية.   

 

7 -  " كاتبنا " ( الدّيك ) يجهل ، على ما يبدو ، أنّ الثّقافة الاستهلاكيّة العالميّة ؛ بعد أن صنع " الغرب " هذه " القسمة الحضاريّة " الضّيزى.. و ثبّتها كقَدَرٍ عالَميّ حيّدَ دول و شعوب " الشّرق " ، بالعنف و القتل و الجريمة ، و من بينها الشّعوب العربيّة ، و أقصاها خارج مدى البشريّة ، فحرمها من المشاركة العالمية بإنتاج " الحضارة " ؛ هي التي تسمح ، مغلوبة و من دون منّة ، لمستهلكي هذه الشّعوب باستخدام و استعمال " الأدوات " و " السّلع " و " البضائع " التي تُنتج في الغرب ، و هذا ما هو من طبيعة احتكار الغرب للإنتاج و وسائل الإنتاج و الثّروات المنهوبة حول العالم ، و تعميم صناعاته الاستهلاكيّة ، و حسب ، و التّسويق على الشّعوب و الأفراد و الدّول القادرة على موازاة هذا " الاستهلاك " ، و حتّى لو كان الأمر على صعيد " السّيارة " و ( إلفس برسلي ) ! – و هذه الكلماتُ له ؛ " المقال " .

8  -و لكنْ أليسَ هذا بديهيّاً بحكم عالم السّوق الإمبرياليّ الذي حول غالبيّة دول و شعوب العالم إلى مجرّد أسواق استهلاك من أجل نهبها المزمن ، بينما هو انفرد بالصّناعات و الصّناعات الثّقيلة و احتكارها ؟ .. يبدو أنّ ( الدّيك ) لم يسمع بهذه الحقيقة.. لا باجتهاد شخصيّ و لا بتعلّمه المكثّف من أسياده " الدّيموقراطيين " جدّاً إلى الدّرجة التي لا يسمحون له فيها أن يكونَ شخصاً عاديّاً في فئة البشر العاقلين! و لا يبتعد ( الدّيك ) كثيراً عن موضوعه الجوهريّ ، بدوافعه العديدة الهزيلة و الرّخيصة ، بتقديم كلّ أوراق اعتماده إلى الدّول الغربيّة الحاضنة له و لأمثاله ، و ذلك بأن يبثّ ثقافته " المعاصرة " التي يظنّ في نفسه مكتشفها ، مع أنّها من أبجديات تاريخ الأيديولوجيا الغربيّة الإمبرياليّة ، و التي يحتقر فيها " الآخر " ، و يعمل بها على محاولات قديمة و مستهلكة لمسخ الوعي العربيّ الوطنيّ و القوميّ و تحقير بنيته الثّقافيّة التّاريخيّة.

 

9- هو يقول ، مشكّكاً بصوابيّة تاريخ التّحالفات العالميّة بين الدّول و الشّعوب الصّديقة أصحاب المصلحة التّاريخيّة بمواجهة الإمبرياليّة العالميّة و دولها المزعومة ديموقراطيّة و ليبراليّة : " حتى لو سلمنا بسوءات هذه الدول الديمقراطية الليبرالية الغربية تجاه العرب ، فإن مواقف دول استبدادية شمولية كالصين وروسيا لم تكن بأفضل حالا بكثير من مواقف مثيلاتها الغربية في القرن الماضي ، رغم ما بدا حينئذ أن هذه الدول كانت داعمة للقضايا العربية ".. هكذا و بوقاحة متسوّلي الرّضى الغربيّ على إمّعات " الليبراليّة " ، العرب ، الذين تناسوا مسقط رأسهم و فقدوا انتماءهم الطّبيعيّ و هويّتهم الفطريّة ، فانضمّوا مختارينَ إلى انتماء خارجيّ أجنبيّ .. يقفز ( الدّيك ) فوق قرنٍ من الصّراع العالميّ بين الشّرق و الغرب ، و ما أفرزه هذا الصّراع من اصطفافات تاريخيّة ، ما كان العالم ليكون ، بدونها، على ما هو عليه اليوم ، و لكانت الولايات المتحدة الأميركيّة قد أزالت دولاً و شعوباً يشكّلون غالبيّة هذه المعمورة ، كما أزالت شعوب الأميركيّتين الأصليين.

 

10 - غير أنّ كاتبنا ( الدّيك ) لا يرى في " الغرب " ، من كلّ عُدّة وحشيّته و عنفه و تدميريّته سوى أشياء " بسيطة " و " تافهة " ، على شاكلته ، حيث يُحدّد ، " متفهّماً " سبب " العقدة " العربيّة – الشّرقيّة التي نشأت في " عُصاب " نفسيّ و ضعف في " المقاومة " الحضاريّة عند " العرب " و أمثالهم من " المبالغين " في شدّة توتّر موقفهم من " الغرب " ، على أنّها نشأت في ظروف " غامضة " ، و من غير وجه حقّ ، و هي " مبالغ " فيها ، عند " الإنصاف " ! يقول : " أتفهم ذلك تماما، (...) [ و لكنّني ] لم أكن أدافع قط عن بعض السياسات الخارجية لهذه الدول " .. فمشكلتنا – على ما يُريدنا ( الدّيك ) أن نفهم – هي ، برمّتها و بتاريخها و جغرافيّتها و بتداعياتها الحديثة و المعاصرة ، ليست أكثرَ من صراعنا " الدّبلوماسيّ " مع " بعض السّياسات الخارجية " للدّول الغربيّة " ، فقط ؛ و هو لا يعنيه من كلّ تاريخ التّدمير الإمبرياليّ الغربيّ لواقع شعوبنا و ثقافتنا و حضاراتنا ، و حضارات الشّعوب التي كانت متحضّرة لآخرين .. و مستوى تطورنا المأزوم ، و مبدأ الاستعمار و مبدأ الاستيطان الممارسين علينا عبر قرن ، على الأقلّ ، حتّى الآن ، سوى " بعض السّياسات الخارجية " الغربيّة ، و علينا أن نصدّقه في ذلك !!

 

11-  ما يُريده ( الدّيك ) هو أن نتجاهل تجربتنا مع الثّقافة و الممارسة الغربية ، فهو يتوجّه بثقةٍ مسحورة إلى الشّعوب العربيّة ، يستعطفها لتعادي دولها ، لتنضمّ إلى المساندين للنّموذج الغربيّ السّياسيّ المسعور بالالتهام ، بذريعة أنه.. " يكون من الأسهل بكثير على الشعوب العربية أن تتعامل مع مواقف شعوب الدول الديمقراطية الليبرالية الغربية " ؛ و يتابع : " أستطيع أن أحاجج أنه قد يكون من الأسهل بكثير على الشعوب العربية أن تتعامل مع مواقف شعوب الدول الديمقراطية الليبرالية الغربية ، رغم اتخاذ حكوماتها مواقف ضد القضايا العربي إجمالا ، وكسبها للوقوف إلى جانب الحقوق المشروعة للشعوب العربية من إقناع شعوب أو حكومات الدول الاستبدادية . فالأولى هي شعوب حرة لديها إعلام حر وتتمتع بحرية التعبير والتنظيم السياسي وما إلى ذلك ، وهي ليست مرغمة أبدا على تبني مواقف حكوماتها من هذه القضايا . أما الدول الأخرى بشعوبها المقهورة ، غير الحرة ، والمهمشة والفقرة ، فهي لا موقف لها أصلا " !! و لكن ما هذا التّخريف و البلاهة التي أصابت كاتبنا ( الدّيك ) حتّى عاد لا يُميّز أين يقع جذر الصّراع التّاريخيّ بين الدّول ، و حول ماذا تتصارع ، و من يُصارع من في حقيقة الأمر ؟ .. أو متى كان للشّعوب قرار الحرب و السّلم على مرّ التّواريخ و الأزمان في بناء الدّول المعروفة حتّى الآن؟  

 

12 - لا تقود الشّعوبُ حروبَ العالم ، هذا و لو حتّى كانت الشّعوب ، هي نفسها ، الخاسر الأوّل و الأخير جرّاء الصّراعات و الحروب ، على جبهات القتال ، و على غير جبهات القتال ، كاستمرار للصّراع و نتائجه و آثاره على الدّول الضّعيفة و شعوبها المُلحَقَةِ بالدّفاع عن النّفس جرّاء غزو الجيوش و القوى بقرارات دول أيضاً . يعني أنّ الشّعوب لا تقرّر في هذا المجال الذي يعمل ( الدّيك ) على اقتحامه ، عندما يطرح " وساطات " أخلاقيّة ، قاصرة و غبيّة و هزليّة و مضحكة ما بين الشّعوب ، مع العلم أنّ الشّعوب في الغرب ، و بواقع عامّ.، يدركون أطماع و تكالب دولهم على الدّول و الشّعوب الضّعيفة و المستضعفة ، و هم ساكتون. و لكنْ ، إذا كان للشّعوب الغربيّة كلّ هذا التأثير على دولها ، فلماذا لا يتدخلون ، كوسطاء لدى دولهم ، في حروب العنف التي تشنّها دولهم الغربية ضدّ الدّول و الحضارات و الثقافات على مستوى العالم كلّه ، في الكيانات الجذريّة في الحياة و الاقتصاد و المال و الصّحّة ، و باختصار ، في الوجود و الاستمرار ، لرفع الحيف و الظّلم عن الشّعوب المضطهدة في العالم ، على مرّ القرن العشرين كلّه ، و حتى اليوم ؟! .. أم أنهم بحاجة إلى نداءات استغاثة عابرة للحدود؟! هذا وهم آخر في طريقة فهم ( الدّيك ) للدّيموقراطيّات الغربيّة المزيّفة ، أو أنّه ممارسة مقصودة في الإيهام الذي يعمل من خلاله على تقديم التّنازلات الإضافيّة من قبل الشّعوب المضطهدة و الضّعيفة ، لشعوب و دول الغرب ، في مهمّة خاصّة كلّفه بها جلادون جدد في الغرب ، في أميركا ، حيث يُقيم؟

 

 13 -  يتوهّم ( الدّيك ) أن الشّعوب في دول الغرب " شعوب حرّة ". سنقبل معه ، فرضاً ، أنّها كذلك ؛ و لنا هنا سؤالان و استنتاج واحد قد يُفيد ( الدّيك..) أو يفضحه : الأوّل ، إذا كانت شعوب الغرب حرّة ، و هي بالتّالي من تنتخبُ حكوماتها و دولها ، فعلاً ، فلماذا تنتخبُ تلك الشعوب إذن هذه الدّول و الحكومات الخرقاء ، الهوجاء و الحمقاء ؟ و الثّاني ، إذا لم تكن هي ، فعلاً ، من ينتخب حكوماتها ، فلماذا لا تعمل ، بتنظيم إنسانيّ واسع ، لإسقاط تلك الحكومات المفروضة عليها في دوائر الأسرار التي لا يتّسع عقل ( الدّيك ) لإدراكها و معرفتها ؟ و كيفما أجاب ، فإنّه سيخرج بأنّ شعوب الغرب هي إمّا متآمرة مع دولها و حاكميها على استنزاف روح هذا العالم ، و هذا استنتاج ليس لعاقل القبول به ؛ إذ يبقى الاحتمال الثّاني ، في كلا حالتي السّؤال ، و هو أنّ شعوب الغرب ليست هي ، في ظلّ الدّيموقراطيّات الكاذبة ، من ينتخب الدّول و الحاكمين.

 

14 -   و كيفما أراد ( الدّيك ) ، و على أيّ صَعيد أراد أن يجلس .. فإنّ الجواب العاقل و المنطقيّ و الواضح و السّهل و البديهيّ.. هو أنّ تلك الشّعوب الغربيّة هي شعوب مدجّنة و مُسيّرة و ليست مخيّرة في انتخاب حاكميها و الدّول. و يبقى على ( الدّيك ) أن يقبل من غير نفاق أو غباء ، بأنّ شعوب الغرب هي شعوب مغلوب على أمرها ، و جاهلة ، و متواطئة مع حاكميها ، قطّاع الطّرق ، القراصنة ، و المجرمين . و الاستنتاج هو أنّ ما يدّعيه " الكاتب " ، إمّا أن يكون جهلاً و غباءً عنده.. و إمّا أن يكون مزوّراً لحقيقة يعرفها ، و لكنّه مأجورٌ ليُدلي بما أدلى به في حديثه المقيت ؛ على أنّ ما يبدو هو أنّ الكاتب – الدّيك.. هو الأمران معاً ، غبيّ و جاهل ، من جهة ؛ و متواطئ و مخادع و مداهنٌ، من جهة ثانية.

 

15- و لكن لننظر في ما يُتابع في قوله ( الدّيك ) بدفاعه دفاعاً مستميتاً ، إذا حمَلناه على محمله الحقيقيّ ، عن "ديموقراطيّات الغرب" الليبراليّ الإمبرياليّة ، يقول : " أخيرا ، أرجو أن تصغوا لي جيدا : هذه الدول التي تهللون لبداية انهيارها وسقوطها المدوي ، لن تنهار بفعل تداول فيديوهات ومقاطع صوتية مزورة ومفبركة ومترجمة بصورة مغلوطة ، أو ترجمة رديئة ، ولا بفعل مقال هنا أو هناك . تذكروا أنكم تتداولون هذه المواد الإعلامية بينكم ، وتدورونها وتجترونها وتشعرون بها أنفسكم حين تضعون رؤوسكم على وسائدكم قبل أن تناموا أنكم قمتهم بواجبكم في " دحر الإمبريالية العالمية. " ما تقومون به هو بلا تأثير أبدا في الثقافة البشرية من حولكم ، وأنتم بهذا تسمحون لأنفسكم أن تظلوا أدوات صغيرة في أيدي الكبار ". و هنا يصل الكاتب إلى بيت قصيده.

 

 16-  يتلمّس الكاتب ، بغريزة اسة الشم لديه.. أنّ الخطر الذي كان ، يوماً ، وهماً مُستبعَداً بالنّسبة إلى " قلاع الغرب " ، إنّما أصبح أكثر قرباً من مضمون أيّ توقّع توقّعته يوماً دولة أو دول الدّيموقراطيّات الليبرالية الغربية ، مجتمعة أو كلّ منها على انفراد . و في حالات الإفلاس تنشطُ الدّول الموازية و العميقة ، في تلك المجتمعات السياسية ، و تشحذ أساليبها القديمة ، مستنفرة جميع قواها المنسيّة ، لكي تتمسّك بوجودها و مواقعها و أحلامها المتوحّشة ، عاملة على إعادة إنتاج خطاب إعلاميّ عتيق ، مضمونه أنّها منيعة على السّقوط أو الزّوال ، و أنّها ، إضافة إلى ذلك ، قادرة على الاستمرار .. و لكنْ في صيغة استجدائيّة عاطفية و إعلانيّة ، و كأنها هنا تعمل على تسويقها في ثقافة و أفكار العالم من جديد . و الخطّ الموازي الثّاني هو في أنّها تتماثل، في محاولات يائسة و أخيرة، إلى أوهامٍ أشدَّ ضراوةً تجعلها تعيشُ في انفصال عن تاريخ العالم الذي يُحدّثنا عن فلسفات الزّوال..

 

17- ثمة سخافات و بلاهات أخرى في حديث ( الدّيك ) ، كثيرة ، و لكنّ القريحة تخجل أن تبادلها الاهتمام .. و ذلك من مثل ما جاء به من كلمات مقرفة ، و هو يتشفّى شامتاً من الشّعوب العربيّة العملاقة التي ما قارعها أحدٌ على مرّ تاريخ البشريّة بما تمرّ فيه اليومَ من ظلم و قتل و مرضٍ و عناء و قهر ، و هو الأمر الذي نفهم معه كم هو هذا الكاتب الوضيع ، الدّيك ، قذرٌ و لئيمٌ و هو يسخر من " العروبة " كلّها ، و ذلك في ما كتبه من نصّ أخير في موضوعه السّخيف ، اللئيم ، عندما قال : " أصدقائي ، سأشعر معكم أن هذه الديمقراطيات الليبرالية الغربية قد انهزمت ، أو أوشكت على الانهيار ، على الأقل في دياركم ، حين أبدأ برؤية طوابير المصطفين أمام السفارات الروسية والصينية في بلدانكم سعيا للحصول على تأشيرات السفر أو الهجرة إلى بكين أو موسكو ، باتت أطول من طوابير المصطفين على أبواب السفارات الأميركية والبريطانية والفرنسية والألمانية للغرض نفسه . كل ما عدا ذلك تفاصيل تافهة " ؛ غامزاً من تهافت العرب على حضارة الغرب.

 

18-  و لكي لا ننسى أنّ الحديث دخل من باب كورونا و مواجهة كورونا و مكابرة الغرب على تأثير هذه الجائحة فيه ، انحلالاً و ارتباكاً تاريخيّاً صريحاً ؛ فليفهمْ ( مفيد الدّيك ) أنّ التّغيّر و التّغيير هو من أهمّ حقائق اختلاف طبيعة الشّعوب و الدّول و المجتمعات في تاريخها المتسارع .. و كذلك في محدوديّة الظّلم و الظّلم البشريّ ، و تحديدٌ متغيّرٌ لحدوده و طاقتِهِ و مَدَاهُ. 20▪︎ سوف يتغيّر العالم في اتّجاهٍ " حديثٍ" فعليّ ، و منفعل و متظاهر بالجديد. و في جميع الحالات ، فهو سيعرف الانقباض و الانكماش و التّقوقع الجيوسياسيّ للدول العالميّة و بخاصّة منها الدّول الكبرى ، على اعتبار أنّ المُعامِلات الدّاخليّة في الدول الصغيرة و الضّعيفة ، هي أقلّ عنها من دول الغرب ، و أضعف نشاطاً تغييريّاً في المُحدّدات السياسيّة. و في هذه الأثناء نكون قد خرجنا من كورونا بحلول جديدة لتخفيف طاقات التّوتّر الإمبرياليّ التي تعاني منه ما يُسمّى دول الدّيموقراطيّات الغربيّة ، بحلّتها الّليبراليّة الجديدة ، التي تتربّع على عرش السّطوة العالميّة ، بحيث أنّنا مُقبلون على انحيادات و انحرافات عالميّةٍ عن الإيقاع المسالم التي تعيشهُ حتّى قبل قليل ، دول الغرب العالميّ و الأيديولوجيّ ، منكمشة إلى حدود أقلّ من " متواضعة " في الجيوسياسيا و التّحكّم و الاقتصاد و المال و السّلاح و السّياسة.. و ربّما في إعادة توزّع و توزيع التّوتّر العالميّ في جهات جديدة و جغرافيّات مختلفة و قوى أكثر تعقيداً في تحدّيات تكفي العالم لمائة سنة قادمة .. بعد أن بدأت ، فعلاً ، في سورية منذ عقد من الزّمان .. و لتنطلق بعد ذلك شظايا في جهات العالم .. ليأتي دور كورونا ، بعد ذلك ، في فضح هذا العالم الأنانيّ ، المتوحّش و التّعيس.