«كورونا» حليف حميمٌ للعقوبات الأميركيّة

مئات ملايين البشر تخضع دولهم لعقوبات أميركيّة اقتصادية فيجدون صعوبات قاسية في مجابهة جائحة الكورونا، لكنهم لا يدّخرون وسيلة لمقاومته، ويسجلون عجزاً تدريجيّاً متصاعداً بسبب الحصار الأميركي المفروض عليهم والذي تلتزم به معظم البلدان الخاضعة للنفوذ الأميركي او التي ترتبط معهم بعلاقات اقتصادية قوية.

هذا الوضع يتيح لكورونا فرصة الانتشار فلا يكتفي بالقضاء على المسنّين في الدول المحاصرة بل بدأ بضرب الشباب ومتوسطي الأعمار بما يهدّد بكوارث على مستوى تدمير الدول بأسرها وقد تتّسع لتصيب برذاذها أجزاء واسعة من الحضارة الإنسانية.

أمام هذه المخاطر الواسعة تزعم الدول الكبرى أنها بصدد القضاء على كورونا، وتكشف نفسها عندما يتبين أن مشاريعها لمجابهة الوباء تقتصر على مجالها الوطني، وتجهد لاكتشاف لقاحات سريعة وعلاجات للاستثمار الاحتكاري فقط وليس لمكافحته على مستوى الإنسانية.

ألم تظهر قمة العشرين التي انعقدت بطريقة الإنترنت والهواتف في السعودية للتنسيق في مجابهة هذه الجائحة، وتبين أنها ليست إلا قمة افتراضية لوضع خطط تحتاج الى بضع سنين لتنفيذها، وترمي الى المحافظة على النفوذ الأميركي المهدّد من كورونا من جهة والتراجع الأميركي في الشرق الاوسط من جهة ثانية.

اما اللافت في هذه القمة فكانت الكلمة التي طالب فيها الرئيس الروسي بوتين بفتح طرق الغذاء والدواء والإمدادات لكل الدول المصابة والمحاصرة، فيما تجاهل رئيس القمة الهاتفية الملك سلمان هذا الأمر وتولى إعلامه التركيز على رفض تأمين فرص لعودة الإرهاب من جديد داعياً الى استمرار العقوبات على أكثر من بلد على رأسها إيران.

فما لم يكشفه سلمان بصراحة أوضحته وسائل إعلامه مع الاعلام الاميركيالانجليزي بإصرارهم على عدم الربط بين مجابهة كورونا وإلغاء العقوبات الأميركية على أكثر من سبع دول يصل بعضها الى حدود الخنق. فكيف تكافح هذه الدول المستهدفة هذا الوباء المدمر والوباء الاميركي المفترس في آن معاً، فالحصار يمنع استيراد إمكانات لمقاومة الوباء، لكن اميركا ومعها السعودية لها رأي آخر يزعم بأن من يريد الاستسلام للنفوذ الاميركي بالإمكان السماح له باستيراد ادوات المجابهة.

مَن هي هذه الدول المعرّضة لانتشار واسع لكورونا فيها؟

إنها سورية واليمن والعراق وإيران وغزة في فلسطين المحتلة  وفنزويلا وكوريا، وهناك أيضاً عقوبات تضرب الصين وروسيا، لكنها لا تؤثر فيهما كثيراً.

لجهة سورية، فتخضع لحصار أميركيأوروبي يمنع عنها استيراد الغذاء والدواء والمحروقات بذريعة انتشار الإرهاب وتهريب السلاح.

وتساهم تركيا باحتلالها معظم المناطق الحدودية بهذا الحصار أيضاً مع قوات أميركية وأخرى كردية، تقطع أيضاً حدودها مع العراق، هذا بالاضافة الى مراقبة أميركية دقيقة لحدودها مع الاردن، ولبنان بدوره يطبّق التعاليم الأميركية بالامتناع عن التعامل الاقتصادي مع سورية.

فتصبح كامل حدودها البحرية من جهة جبل طارق والبرية  من لبنان الى الاردن فالعراق وتركيا كلها مقفلة امام حركة الدواء والغذاء والامدادات الاخرى.

كذلك فإن إيران تخضع لعقوبات أميركية مدمّرة تطبقها أيضاً اوروبا والهند وبلدان أخرى خوفاً من الضغط الأميركي عليها وتشمل الغذاء والدواء وبيع النفط والإمدادات المختلفة، حنى تكاد تكون أسوأ عقوبات معروفة في التاريخ، لذلك فإن الصراع الاميركيالإيراني يشمل بمداه المنطقة بأسرها.

وبما ان إيران بلد مترامي الأطراف فقد تمكنت حتى الآن من الصمود على الرغم من انتشار وباء كورونا فيها.

وهذا لم ينجح في تليين العقوبات الأميركية عليها والتحريض السعوديالإماراتي الذي يستهدفها.

بدوره اليمن يتعرض لحصار اميركيسعودي مدعوم من الاساطيل المصرية والاسرائيلية والطيران الانجليزي.

فتصبح صورة دولة صنعاء بحدود مقفلة من الشمال والشرق والجنوب وليس لديها إلا شريط ساحلي ضيق في الساحل الغربي عند مدينة الحديثة، لكن الحصار البحري عليها يمنعها من نقل مواد غذائية وادوية لمجابهة كورونا.

كذلك فإن العراق الذي تحتل القوات الاميركية قسماً منه لا يستطيع مجابهة كورونا بسبب الإقفال الاميركي لحدوده مع سورية والاردن والسعودية والكويت.

فتبقى غزة في فلسطين المحتلة فتتعرّض لأسوأ حصار اميركياسرائيلي مصري يقفل البر الفلسطيني في وجهها والبحر المتوسط وحدودها مع مصر ما يجعلها عاجزة عن مقاومة كورونا، كما ان الاميركيين يحاصرون فنزويلا وكوبا ويمنعان عنهما الاستيراد والتصدير إلا بشكل نسبي، وبدوريهما تسجلان عجزاً عن مكافحة وباء الكورونا الا بالقليل مما يمتلكانه من مواد تعقيمية وعلاجية.

بذلك يتبين علاقة الحصار والمقاطعة الاميركية في اضعاف امكانية العديد من البلدان في مكافحة كورونا. فتحاول الاستفادة من انتشاره لإسقاط هذه الدول التي تقف عائقاً دون السيطرة الكاملة على الشرق الاوسط. الامر الذي يؤكد السقوط الكامل لعصر الاخلاق والقيم الانسانية وسياسة عصر الرأسمالية المتوحشة.

هناك دول تتعرّض لعقوبات اميركية مثل تركيا وروسيا والصين، لكنها عقوبات خفيفة تمس بعض المرافق في هذه الدول بشكل لا يخنقها بل يحاول تأديبها فقط.

فهل تظهر حركة تمرد دولية على هذه العقوبات الاحادية الاميركية؟ هناك بداية تضعضع في جبهة الغرب الصناعية مع دعوات روسية الى إلغاء العقوبات لمجابهة جائحة العصر، الأمر الذي يشجع على ولادة عالم متعدد القطب هو الآلية الوحيدة القادرة على إنهاء العقوبات والعودة الى القانون الدولي.