الكاميرا الخفية لبوتين .. تدمر في دقيقتين عشرين عاما من حزب العدالة والتنمية

كم أغبط بوتين على عبقريته ودهائه السياسي .. لان تصويره لأردوغان وهو واقف ببابه كان أقوى ضربة يوجهها لاردوغان ولحزب العدالة والتنمية .. وهو أقوى من تدمير فرقة عسكرية تركية كاملة .. فهو بهذه الصورة الماكرة دمر انجاز اردوغان في تقديم نفسه كممثل للمسلمين وبطل وخليفة .. وتمزقت صورته التي ظل يرسمها أمام الناس منذ عشرين عاما .. رغم ان الصورة تشققت وتصدعت الا أن تلك الدقيقة التي ظهر فيها ينتظر الاذن بالدخول الى بوتين كانت أهم ضربة يوجهها خصم اليه .. لأنها محت كل خطاباته منذ عشرين عاما في سلة المهملات .. هل هذا هو الرجل الذي كان يقول مآذننا رماح وقبابنا خوذ ؟؟ فاذا به بلا رماح وبلا خوذ يقف على عتبة روسيا في القاعة التي تمثل هزيمة عثمانية وقد بلغ به الاعياء والتعب مبلغه .. 

 

لن يخطر على بال أحد كم ان كسر الهيبة يشبه كسر الوجود ويشبه الاعدام .. وخاصة كسر الرمز في نفوس الناس والأمة .. فالاميريكيون عندما ألقوا القبض على الرئيس صدام حسين أصروا على تصويره بحالة مزرية لقهر صورته القوية في اذهان الناس .. ويشك الكثيرون انهم ابقوه معتقلا دون الاعلان عن ذلك لأسابيع حتى بدا مثل متشرد مهمل في الطريق ثم قدموه الى العالم بشكل مهين .. ولكن قدموه لجمهور عربي ومسلم كان يرى فيه بطلا حنى ولو هزم .. البطل صدام حسين ظهر كسيرا ومتشردا ولم يعد ذلك الرمز والايقونة .. وأعاد الاميريكيون نفس اللعبة النفسية مع الرئيس الراحل معمر القذافي في الربيع العربي .. وكان هناك اصرار على اهانته وهو يتم جره في الطريق منكوث الشعر حائرا من اين يأتيه الركل والضرب مثل المجرمين واطلاق كل الاوصاف المشينة في وجهه .. وفي نفس الاطار كانت الغرف العالمية تحضر نفسها لتشويه الرموز المقاومة مثل الرئيس بشار الاسد والسيد حسن نصرالله عبر نشر صور مهينة لهما كي تنزع عنهما الرمزية الوطنية والبطولية .. وبث برامج لشتمهما كما في الاتجاه المعاكس الذي كان عمدا يتطاول على مايمثلان من رمز وقوة .. ولعلكم تذكرون كم أسهب الاسلاميون والاعلام النفطي في وصف تلك اللحظة التي صحح فيها مرافقو الرئيسين بوتين والاسد البرتوكول في تحية القوات الروسية المخصصة لقائد القوات الروسية بوتين وليس لرئيس آخر .. وكانوا يصفونها على انها اهانة في محاولة يائسة لنزع الهيبة من صورة الأسد .. رغم انها اجراء بروتوكولي متفق عليه سلفا قبل الزيارة .. 

 

وهذه العملية ليست بريئة بل هي مقصودة عبر الاستيلاء على كل رموز القوة والبطولة والوطنية في الأمم .. فتصبح الامم بلا رموز وبلا أبطال فتبحث عن أبطال يكونون جاهزين ومعلبين ومصنعين في الاعلام فيتحول حاكم قطر الى بطل وحاكم السعودية الى أيقونة وحاكم البحرين وملك الأردن .. وطبعا هذه الايقونات المزيفة الخشبية الملونة بلون الذهب لايمكن ان تكون فيها اي رصيد معنوي للأمة .. مثل المجوهرات غير الأصلية والتي هي نسخ مقلدة للأصل الذهبي .. 

 

المشكلة اليوم في العالم هي في التمييز بين الأبطال الحقيقيين والابطال المزيفين .. فالعالم مليء بالأبطال مسبقي الصنع والمعلبين والملفوفين بالمشمع مثل الهدايا الجديدة مثل بائع البطيخ اردوغان .. وقلة في العالم هي من فئة الأبطال الحقيقيين الذين يصنعون التاريخ والزمن .. 

 

الفارق بين بطولات أردوغان والابطال الحقيقيين هو ان الأبطال يظهرون على حقيقتهم عندما تظهر الكاميرا الخفية .. فالرئيس صدام حسين رغم كل اختلاف الكثيرين معه لايمكن أن ينكروا انه في لحظة مواجهة الاعدام والموت كان بطلا وجسورا ولم يقبل ان يهان ويستسلم وكان يتحدى حبل المشنقة ..  وفي ذروة الحرب على سورية كان الأسد يرى يتجول على خطوط النار على بعد أمتار من الارهابيين .. أما اردوغان فان الكاميرا الخفية لبوتين أظهرته على حقيقته  مهانا ومتعبا وقليل الاحترام .. وأن كل مايظهره من غضب لايعني شيئا الا انه تمثيل ..

 

المهم ان بوتين لعبها في لحظة حاسمة جدا لتمييز الابطال .. وقدم للعالم رجلا ليست فيه اي بطولة .. وكان على العالم ان يراه على حقيقته وليس كما يثرثر كل يوم عن ان صبره نفذ .. وكانت دقيقتان تصوران أردوغان وهو ينتظر وقد اصابه الملل والتعب كافيتين لتمسحا عشرين عاما من صورة اردوغان .. ولوحة ظل الرسامون الاسلاميون يرسمونها كفرسكة عملاقة منذ عشرين عاما عن الأمل الاسلامي التركي في اردوغان .. 

 

لم يعد اردوغان قادرا بسهولة على ان يقنع أحدا انه فحل من فحول المسلمين .. حتى زوجته أمينة لم تعد بعد هذه الصورة تصدق مايقوله لها عن "بطيخاته" وصوته الجهوري وهو يبيع البطيخ .. لم يعد رجل الشارع حتى وان رفض بعناد ان يتخلى عن اردوغان .. لم يعد قادرا على مواجهة نفسه من أن ايقونته كسرت وأنه يجب ان يبحث عن رجل اقوى ورمز غير مكسور ..

 

الكاميرا الخفية لبوتين كانت أقسى ضربة يتلقاها اردوغان وحزب العدالة والتنمية بل وكل الأمة التركية التي أصيبت في القلب مباشرة وفي الكبرياء وهي تتابع اردوغان وهي جاحظة العينين مذهولة لاتصدق ان هذا هو الرجل القوي الذي يكمم الافواه ويزج في السجون ويدمر الكيانات الموازية .. ويسقط الطائرات الروسية ويهدد اروروبة .. يقف مثل درويش على باب أمير .. 

 

والأمر لايزال يتفاعل في تركيا .. وهو يكبر كقضية كرامة وطنية تسببت في نفور الكثيرين من اردوغان ومعاداته وتخوينه .. وربما ستكون هاتان الدقيقتان هما الدقيقتين اللتين ستجلبا النقمة على زمن اردوغان كله .. وتحس قطاعات الشعب التركي انه آن لها ان تستبدل الرجل الذي تعب في نهاية الرحلة كما ظهر في الصورة .. ولكن تعبت منه تركيا ايضا ..  

 

مهما حاول انصار اردوغان ان يبرروا هذا المشهد المهين فان الحقيقة كل الحقيقة هي في ذلك المشهد للكاميرا الخفية لبوتين .. فالرجل نحن من نعرفه انه ثرثار وليس لديه شجاعة ولايعرف البطولة .. هذا رجل غدار ويعتمد على الكذب والمراوغة والتمثيل والاحتيال والطعن والمناورات والتلاعب بالعواطف .. فهو رجل بالف وجه .. ولايمكن الوثوق به .. لأن مايفعله في السر لايشبه مايفعله في العلن .. كما بدا في الكاميرا الخفية لبوتين .. 

 

نحن لدينا أبطال حقيقيون ورموز أصيلة من ذهب .. حافظت على كرامتها وعلى كرامة الأمة .. فاستحقت ان تكون أيقونات للأمة .. أيقونات حقيقية .. فحافظوا عليها .. كما حافظت على الوطن وعلى كرامة الوطن والأمة .. ولذلك وصل صوتهم الى داخل كل بيت في الشرق .. كما في هذه الاغنية التي رددها جمهور كبير في رام الله  في فلسطين .. تدعو الى تحرير ادلب بالنار ..