«درع الربيع» التركيّة عدوان لن يحقّق أهدافه

للمرة الرابعة تطلق تركيا عملية عسكرية عدوانية ضدّ سورية من أجل احتلال أرض منها وتهجير شعبها وإجراءات تغيير ديمغرافي فيها تمهيداً لضمّها، الضمّ الذي تحلم به وتراه تطبيقاً لما تسمّيه «الميثاق الملي التركي الذي يعطيها الحق كما تدّعي بمثل عمليات الضمّ تلك لقطاع واسع من الأرض العربية من الموصل في العراق شرقاً الى إدلب في سورية غرباً وحلب ما بينهما أيضاً. فهل سيحقق هذا العدوان المتجدّد بصيغته وعنوانه ذاك أهدافه؟

لقد أدخلت تركيا من أجل تنفيذ عدوانها هذا ما يناهز الـ 15 ألف عسكري تركي من جيشها المصنّف الثاني في الحلف الأطلسي بعد الجيش الأميركي، واتخذت من مخرجات استانة وتفاهمات ستوشي غطاء لعملها العسكري العدواني وعوّلت او على الأقلّ هكذا أظهر أردوغان، عوّلت على دعم الحلف الأطلسي لها، وقدرتها على تحييد روسيا، ومنع إيران من التدخل في المعركة لاستفراد سورية وجيشها وهي تظنّ انّ هذا الجيش أيّ الجيش العربي السوري بات منهكاً بعد 9 سنوات من المعارك المتواصلة ولن يقوى على الصمود بوجهها.

وهنا لا بدّ من أن ننوّه بأننا وكثيرون ممن تابع الأحداث والمواجهات بين الجيش السوري والإرهابيين الذين يلقون كامل الدعم والإسناد من تركيا التي تتخذهم أداة لتحقيق أحلامها في السيطرة واقتطاع أرض سورية كما ذكرنا، اننا كنا نستبعد أن تجري مواجهة مباشرة بين تركيا وسورية يخوضها جيشا البلدين على الأرض السورية، وكنا نقول إنّ مثل هذه المواجهة لا يمكن ان تحصل الا إذا ارتكب أردوغان فعلاً جنونياً وفجوراً وقحاً وأسقط القناع كلياً عن وجهه وجازف بموقعه في منظومة الرعاية في استانة. ويبدو أنّ اردوغان فعل كلّ ذلك وزجّ بجيشه في الميدان وقرّر مواجهة الجيش العربي السوري من دون أن يحسب حساباً لأيّ عاقبة ومفعول. فإلى أين يقود أردوغان تركيا والمنطقة وماذا بإمكانه أن يحقق؟

قد يكون أردوغان قد قاسَ عملية «درع الربيع» الجديدة على عمليات «غصن الزيتون» أو «درع الفرات» أو «نبع السلام» السابقة التي نفذها على الأرض السورية، لكنه هنا أخطأ الحساب جيداً. ففي تلك السابقة كان يواجه عصابات كردية لا تملك المشروعيّة ولا القوّة التي تمكنها من منع أردوغان من تنفيذ خططه، ومع ذلك كانت تصمد بوجهه بعض الوقت، وتعرقل تقدّمه وتوقع في تشكيلاته بعض الخسائر وتجعل من التنفيذ مكلفاً وفي سقف أدنى من المطلوب تركياً، أما عمليته الرابعة هذه فكلّ ما فيها مختلف كالتالي:

1 ـ ينفذ أردوغان عدوان «درع الربيع» ضدّ سورية وجيشها. وهو جيش ليس كما يعتقد او يتصوّر أردوغان، فالجيش العربي السوري وبعد 9 سنوات من القتال المتعدّد الأشكال والظروف هو جيش محترف عالي المعنويات مسانَد من قوى حليفة، ويخوض المعارك اليوم وفي جعبته الكمّ الكبير من الانتصارات والإنجازات والخبرات. جيش يملك إرادة النصر مهما كانت العراقيل. ثم أنّ المواجهة مع هذا الجيش وعلى أرضه تسقط أيّ مشروعية لعدوان أردوغان وتمنع أيّ تبرير لها. أيّ انّ ظرف القتال التركي مناقض لما كان في العمليّات الثلاث السابقة التي كان يدّعي فيها إنه يقاتل ضدّ الإرهاب حماية للأمن القومي التركي، حيث إنه هنا يعمل مع الإرهاب لانتهاك الأمن القومي السوري وضدّ وحدة سورية وسيادتها المؤكد عليها في كلّ وثيقة أو نص أو قرار يتناول الشأن السوري.

2 ـ يواجه أردوغان في سورية محور المقاومة برمّته، وقد كان لافتاً بيان المركز الاستشاري الإيراني في دمشق الذي أضاء على طبيعة معركة إدلب ومنطقتها بين الأتراك وجبهة الدفاع عن سورية. وهو بيان يصدر للمرة الأولى عن هذا المركز رغم أنّ دعم محور المقاومة واشتراكه في القتال الدفاعي مع الجيش العربي السوري بدأ منذ العام 2013 ولم يصدر بيان إيراني به، فقد شاءت إيران اليوم وعلانية أن تقول لأردوغان أنت تواجهنا، وصحيح أنّ إيران لا زالت تتمسك بالعمل السياسي مع تركيا لحلّ الأزمة السورية، فإنّ ذلك لا يعني أنها تتردّد في المواجهة العسكرية عندما يمارس أردوغان خداعاً أو استغلالاً. ولهذا شاركت وأعلنت أنّ الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني هما في الميدان جنباً الى جنب مع الجيش السوري ومن يريد الفهم عليه ان يفهم ما أرادت إيران من البيان هذا.

3 ـ أما روسيا التي طلب منها أردوغان البقاء بعيداً عن المعركة وتركه ليصفي حساباته مع الرئيس الأسد منفرداً، فأعتقد أنه طلب لن يلقى آذاناً صاغية لديها، حيث إنّ لروسيا مصالح في سورية أكبر من تلك المصالح التي تربطها بتركيا، وقد يتجه الروسي للعمل بلون رمادي يوحي بأنه يحافظ على العلاقة مع أردوغان إلا أنّ هذا التساهل معه لا يمكن أن يصل الى حدّ التخلي عن سورية ووقف دعمها الذي له أهداف ذات صلة بالأمن القومي الروسي لا يفاوض بوتين عليها مع أحد.

4 ـ ويبقى الدعم الغربي المعوّل عليه تركياً والذي يلجأ أردوغان للابتزاز من أجله بلعب ورقة النازحين السوريين لديه، فأعتقد أنه لن يحصل ولن يجد أردوغان في عدوانه «درع الربيع» دعماً أطلسياً أوروبياً أو أميركياً أكثر من الدعم اللفظي الكلامي والتأييد الدبلوماسي والسياسي. فأردوغان ينفذ عدواناً على الغير ولا يتعرّض لعدوان الغير عليه، واتفاقية الحلف الأطلسي في موادها الرابعة والخامسة تفرض المساعدة من الأعضاء لبعضهم بعضاً عندما يتعرّض العضو لعدوان على أرضه ولا تتيح المساعدة في حال كان هو المعتدي. ولأجل ذلك ورغم الاجتماعات والاتصالات الثنائية بقي الدعم الأطلسي لأردوغان في عدوانه بعيداً عن تقديم أو الوعد بتقديم الدعم العسكري الميدانيّ.

لكلّ ذلك ورغم أنّ أردوغان قام بفعل جنونيّ متهوّر واتجه للمواجهة مع الجيش العربي السوري ظاناً انّ هذه المواجهة ستحقق له بعضاً من أحلامه، فإننا نرى أنّ جنون أردوغان لن ينبت مكاسب له ولن يمكنه من حصاد يرضيه سوى الخيبة والفشل وفقدان ما تحقق له من مكاسب في الميدان سابقاً وفي سوتشي واستانة حاضراً، وسيندم أردوغان على حماقته وجنونه ضدّ الجيش العربي السوري إيّما ندامة.