حلّ الأزمة الماليّة: بالعلم والقانون لمنع الفوضى والانهيار

تسامع الناس بمقولة «النظام المصرفي اللبناني القوي والمتين، أو «القطاع المصرفي الحاكم أو المسيطر» على القرار اللبناني، ولم يكن الناس في موقع التحقق من هذه المقولة أو تلك الى أن انفجرت الأزمة المالية. هذه الأزمة التي كانت نتيجة منطقيّة لسياسة اقتصاديّة اعتمدت من العام 1992 تاريخ وصول رجل الأعمال المزدوج الجنسيّة رفيق الحريري الى الحكم.

فسياسة الحريري قامت على تحويل الاقتصاد اللبناني الى اقتصاد ريعيّ يضرب مؤسّسات الإنتاج الصناعي والتجاري ويخنق التبادل التجاري ويقيم سلطة المصارف ويرسي قواعد الاقتصاد اللبناني على قطاع الخدمات ما جعله اقتصاداً واهناً لأنّ هذا القطاع ذا الطبيعة الزجاجية سريع الكسر والانهيار بخلاف الاقتصاد الإنتاجي ذي القوة والمناعة الصلبة، وتفاقم الوضع سوءاً مع الاسترسال في الاستدانة وإغراق لبنان بالديون، معطوفاً على استشراء الفساد والنهب المنظم لمالية الدولة، النهب الذي مارسه معظم من تولّى سلطة عامة في لبنان وتوفّر له الغطاء السياسيّ المانع من الملاحقة، ولم تشذّ عن سلوك النهب والفساد إلا قلة قليلة من المسؤولين الذين تمسكوا بقواعد الأمانة ومفهوم الحلال والحرام.

كان منطقياً أن تقود سياسةُ نهب لبنان وإفقاره وإغراقه بالديون، الدولةَ الى الانهيار، وهذا ما بات يشعر به المعنيون بالشأن اللبناني اليوم. وهذا ما دفع كثراً من المواطنين الصادقين في حرصهم وشعورهم الوطني، الى الشارع في حراك شعبي مطلبي يبتغي التصحيح والعودة عن السياسات الخاطئة التي أوصلت لبنان الى ما هو عليه الآن.

في ظلّ هذا الواقع سقطت حكومة كانت تشكل بصيغة أو أخرى امتداداً لمعظم الحكومات الحريرية السابقة خلال الثلاثين سنة الماضية، وقامت حكومة من غير السياسيين ومن الزاهدين بخوض الانتخابات النيابية والمنتدبين أنفسهم لمهمة إنقاذ لبنان. وقد تمكّنت هذه الحكومة من نيل ثقة مجلس النواب بالرغم من ضغوط مورست في السياسة والشارع لمنع الحصول عليها، لكن الحكومة في أسبوعها الأول بعد الثقة واجهت تحديات كبرى خطيرة ذات صلة بالشأن المالي والنقدي والمصرفي، كما أنها واجهت واقعاً سلوكياً بشأن هذه التحديات خارج على القانون، حيث يطبّق قانون الطبقة المتحكمة بالقرار النقدي والمصرفي في لبنان بعيداً عن قانون الدولة. وهنا نذكر بأنّ القانون وُجد لينظم علاقات الناس أفراداً وجماعات في ما بينهم وكذلك العلاقات مع الدولة وأجهزتها وفي ما بين هذه المؤسسات ولدولة، واعتبر القانون الصلب والأساس الذي تستند إليه السلطة في قيامها وممارستها مهامها في الدولة التي لا تقوم إلا بوجود هذا القانون وهذه السلطة، وإن تجاوزهما يعني هدم ركن من أركان الدولة وهدمها بذاتها تبعاً لذلك.

ولذلك نرى أنّ ما يتوجّب على الحكومة فعله فوراً هو العودة الى فرض تطبيق القانون للمحافظة على الدولة، ثم إيجاد حلول للتحديات الملحّة بما يتوافق مع قواعد العلم والقانون، للمحافظة على حقوق المواطن وهي تحدّيات نعتقد أنّ مصير الحكومة وبقاءها، وليس نجاحها فقط متوقف عليها واهمّ هذه التحديات الآن أربعة: سداد الديون المستحقة في الشهرين المقبلين، وتوحيد سعر صرف الدولار بين رسمي ومتداول، ووقف دولرة الاقتصاد والتعامل بالنقد الوطني، وتنظيم العلاقة بين المصارف والمودعين مع ما فيها من «تحكّم بالودائع» تجميداً أو تقتيراً أو تمييزاً أو حتى اقتطاعاً.

ونحن لا ننكر أنّ التعاطي مع هذه التحدّيات في ظلّ الظروف الاستثنائية القائمة، يتطلّب تدابير وأحكاماً استثنائية تستجيب للقاعدة الأصوليّة «الضرورات تبيح المحظورات»، وقاعدة تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. ولذلك ندعو الى سنّ قوانين طوارئ اقتصادية ومالية، لأننا لا نقرّ بالخروج على القانون مهما كان نصه ولا نقرّ بتطبيق قانون او إرادة الفئة أو الطبقة أو الشخص ونرفض اتخاذ التدابير الاستثنائية من قبل غير سلطة التشريع المتمثلة بمجلس النواب التي لها وحدها الحق باختيار ما يناسب من التدابير الاستثنائية لاعتماده. وعليه نرى:

1 ـ في مسألة تسديد الديون يعلم لجميع أنّ هناك 3 خيارات ممكنة، أوّلها تسديد الدين في الأجل، والثاني جدولة الدين مع تأخير الآجال لها، والثالث هو تدبير مركب يشتمل على تسديد ما هو قريب وجدولة ما هو أبعد. وهنا نرى أنّ الحلّ ونظراً لخطورته ينبغي أن يُشرَك فيه الشعب اللبناني عبر ممثليه في مجلس النواب، ونقترح هنا أن تُعدّ الحكومة مشروع قانون في هذا الشأن ترفقه بكلّ آراء الخبراء المختصّين، واستصدار القرار من مجلس النواب ونحن وفقاً لما اطلعنا عليه من مواقف وآراء وعطفاً على التحليل السليم للمخاطر والإمكانات نرى أنّ الحلّ الأفضل قد يكون عبر إعادة جدولة الديون والاحتفاظ بالسيولة النقدية المتوفرة بالعملة الأجنبية لتأمين الحاجات الأساسيّة للبنانيين، وإرفاق ذلك وفي مهلة معقولة بخطة اقتصادية مالية قابلة للتطبيق وتحقيق الإنقاذ.

2 ـ أما في مسألة الازدواجية في سعر صرف الدولار، وقبل أن نطرح رأينا نقول إنّ هذا الواقع يفضح السياسة الخاطئة والسيئة التي اعتمدت من قبل مصرف لبنان خلال 25 سنة تحت عنوان تثبيت سعر صرف الليرة، وهي السياسة التي كلفت لبنان مليارات الدولارات التي استفادت منها المصارف بشكل ملتوٍ. ولذلك ينبغي أن تكون لدينا الجرأة لفضح هذه السياسة واعتماد سياسة السوق الواقع تحت السيطرة فلا يكون تفلّت وانفلات، ولا يكون خنق وتجميد. وهنا نطالب الحكومة ومجلس النواب مراجعة قانون النقد والتسليف ومراجعة صلاحيات الحاكم ووضعه تحت سلطة مجلس الوزراء ووضع حدّ لصلاحياته المطلقة في مجال النقد. ثم اعتماد التدابير التي تؤول الى توحيد سعر الصرف رسمياً وعملياً مهما كانت مؤلمة.

3 ـ وعن دولرة الاقتصاد ورفض البعض الإبراء بالليرة اللبنانية فنراه أمراً خطراً جداً، حيث يجب أن يتذكّر من يمارسه بأنّ ذلك يشكل انتهاكاً فاضحاً للقانون وانتهاكاً للسيادة الوطنية، فالقانون المعبّر عن السيادة الوطنية ينص على وجوب التعامل بالليرة ويقرّ لها بالقوة الإبرائية، ويعتبر رفض ذلك جريمة من الجرائم التي يعاقب عليها جزائياً، ولكن الواقع العملي يظهر أنّ القانون في مكان والتطبيق في مكان آخر، وكانت آخر فضيحة في هذا المجال إقدام شركة الطيران الوطنية المملوكة من مصرف لبنان الذي هو مؤسسة عامة، على رفض الليرة في شراء بطاقات السفر وحصر الأمر بقبول الدولار (حسناً فعلت الدولة بإلزام الشركة بالتراجع عن قرارها). فإذا كان هذا التدبير لحاجة الاقتصاد والدولة اللبنانية فليتفضل مجلس النواب ويراجع القانون حتى يبررهطبعاً لا يمكن أن يجرؤ لأنه مسّ بالسيادة، ولذلك عليه أن يلزم كلّ عامل على الأرض اللبنانية بقبول الليرة في التداول.

4 ـ نختم بمسألة التحكم بالودائع، حيث إنّ ما تقوم به المصارف اليوم وبقرار منفرد منها ودون الرجوع الى المودع يعتبر خطأ مدنياً قد ينقلب الى خطأ جزائي يوجب الملاحقة بالمسؤوليتين المدنية والجزائية. فالوديعة في المصرف أودعت وفقاً لعقد بين المصرف وصاحبها وعلى الطرفين التقيّد ببنود العقد ولا يحق للمصرف التصرّف بإرادة منفردة ويمارس على الوديعة ما لا يقبل به صاحبها. وإذا كانت الأحوال المصرفية نتيجة الأزمة اللبنانية التي يمرّ بها لبنان توجب اللجوء الى بعض التدابير الاستثنائية بشأن الودائع وإدارتها والتصرف بها، فإنّ ذلك بحاجة الى قانون ملزم يتخذ في ظلّ قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، او أن يكون هناك تفاهم بين المودع والمصرف يفضي الى تعديل العقد، أما ما يجري الآن فهو مرفوض قانوناً ويُعتبر انتهاكاً لحقوق المودعين.

في الخلاصة نرى أنّ المحافظة على الدولة يبدأ بالالتزام بقانونها، واحترام سلطتها منعاً للفوضى وهدر الحقوق، وإذا كان من موجب لتدابير استثنائية خاصة مؤقتة تتخذ لتجاوز الأزمة المالية فيجب أن تتخذ بموجب قانون ولا يعمل إلا بما هو نافذ من قوانين ويجب وضع حدّ للاستنسابية في التطبيق والخروج على القوانين فأول مظاهر انهيار الدول هو تعطّل القانون وقيام الإدارات الذاتية.