هل تتراجع السيطرة الأميركية على العالم العربي؟

يُمسكُ الأميركيون بالدول العربية، بشكل استحواذي كامل يبدأ من التلاعب بإيديولوجياتها التاريخية الى الهيمنة على ثرواتها الاقتصادية والاستهلاكية.

ما هي أدوات السيطرة الأميركية؟

ورث الأميركيون النجاح الفرنسيالبريطاني في اكتشاف الأهميات التاريخية للهاشميين اولاً والوهابيين بالتتابع، الى أن عثر الانجليز ايضاً على الاخوان المسلمين، فأفسحوا لهم المدى للتطور خالقين بذلك ثلاثة محاور إسلامية تتحارب دموياً وعقائدياً وبشكل دائم. وليس من قبيل المصادفة، ان تكون هذه العصبيات الثلاث معادية الى حدود الذبح للمسلمين من مذاهب أقلويّة أخرى والمسيحيين العرب في كل زمان ومكان ومذهب، حتى أن الايزيديين والصابئة لم يسلموا بدورهم من القتل على الرغم من أعدادهم القليلة وعدم رفعهم لمشاريع دينية او سياسية.

لقد اتسم الصراع منذ مطلع القرن العشرين بمحاولات هذه القوى الإسلامية الثلاث الامتداد على طول المدى العربي باستثناء الاخوان المسلمين الذين يعملون على اتحاد إسلامي بزعامة تركيا.

هذا ما منح الأميركيين فرصة الاستفادة من الصراعات بين هذه المحاور فوزّعوها حسب إمكاناتها لإدارة الدول في السعودية وقطر والإمارات والبحرين والأردن وليبيا السنوسية (سابقاً) والمغرب وبلدان أخرى.

واستفادوا من اكتساب السعودية أهميات إضافية من النفط والحرمين الشريفيين ما جعلهم يوزعون المساعدات المالية والتأثير الديني بما يشبه الرشى للاستتباع.

لقد انتفع الأميركيون أيضاً من الهاشميين من أكثر من دولة، مستغلين الاخوان المسلمين في حركة منع التطور الشعبي الفعلي، والاستثمار في جمودهم الفكري، ومعارضتهم للوهابية والهاشمية ممسكين بهذه القوى الثلاث في تحالفاتها فيما بينها أمام من يسمّونهم «كفاراً» وفي صراعاتها بينها، للإبقاء عليها ضعيفة.

لكن الأميركيين لم يكتفوا بهذه الآلية لمنع أي تقدّم في الدول الإسلامية مضيفين عليهم «الجيوش» كمؤسسات عسكرية أضافت الى مميزاتها سمات سياسية.

بهذه الوسائل يسيطر الأميركيون على العالم الإسلامي بكامله مع قليل من الاستثناءات. لكن ما باغتهم هو نجاح الثورة الإسلامية في إيران بإبعاد أهم آلية للأميركيين وهي الشاهنشاهية، التي انتهت وأسقط الإمام الخميني مؤسساتها وقوتها التاريخية، مُجهضاً حروباً أميركيةصدامية ضد الجمهورية الناشئة.

إلا أن الأميركيين المستشعرين خطورة الدور الإيراني على نفوذهم «الإسلامي» اسسوا أخطر حصار اقتصادي سياسي في التاريخ، تتعرّض له دولة، وفارضين على الدول المجاورة لها استعداءها «إسلامياً» بفتح خلافات مذهبية وسياسية وتاريخية زائفة ومستمرة حتى اليوم. لكن إيران نجحت بدعم حلفائها في العراق الذين تمكنوا من السيطرة على جزء هام من الدولة.

هذا بالإضافة الى حزب الله في لبنان الذي تحول مصدراً للاقتداء والتقليد في مجمل العالم الإسلامي بعد هزيمته لـ»اسرائيل» مرتين ودحره للارهاب في سورية ولبنان.

اما الدولة السورية فبنت تحالفاً مفتوحاً مع إيران وتمكنت في قتال مفتوح ومتواصل منذ 2011 من استرداد سبعين في المئة من سورية التي كانت تحت سيطرة الارهاب المدعوم من الأميركيين وحلفائهم في تركيا والاردن والخليج و»اسرائيل».

لم تكتف الحركة الإيرانية بهذا المدى، فأدركت اليمن ودعمت قواه في دولة صنعاء الصامدة في وجه قوات سعودية إماراتية بدعم أميركي وغربي وخليجي وبعض العرب. كما اخترقت الهيمنة الأميركية على أفغانستان بتأسيس علاقة مع الهزارة وطالبان، والدولة الباكستانية وبعض المكونات الاجتماعية والقبلية المتجانسة معها.

هذا ما أعطى إيران دوراً كبيراً في وجه الجيوبوليتيك الأميركي في الشرق الأوسط خصوصاً والعالم الإسلامي بشكل عام، ومنحها دوراً في قيادة الإقليم على الرغم من الحصار الأميركي الخانق الملتفّ عليها من كل الاتجاهات.

وما ضايق الأميركيون اكثر هو نجاح إيران بتأسيس علاقات تحالفية مع روسيا والصين تجسّدت بالمناورات البحرية المشتركة في بحر عمان والمحيط الهندي التي جرى تنظيمها مؤخراً، وكانت مثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، خصوصاً أنها تتزامن مع تراجع ملحوظ في النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط.

هذه هي الأجواء التي قرر فيها الأميركيون اغتيال الشيهيدن مهندس الأمن الاقليمي لحلف المقاومة الجنرال الإيراني قاسم سليماني ونائب قائد الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس، اعتقاداً منهم ان هذا الاغتيال يؤدي الى تجميع أحلاف الأميركيين في المنطقة المصابين بإحباط ويأس. بالإضافة الى تأجيج العلاقات السياسية والاجتماعية في الداخل العراقي وإعادة إقفال الحدود السورية العراقية والعراقية الإيرانية، ومنع الوصول الى الحدود السعودية من ناحية الأنبار العراقية.

لقد فوجئ الأميركيون بالأعاصير الشعبية التي تظاهرت ضدهم في لبنان وسورية والعراق واليمن وإيران، كما باغتتهم ردود الفعل في العالم الإسلامي التي شجبت الاغتيال، حتى أن رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد دعا الى اجتماع للاقتصاص من العدوانية الأميركية.

فظهر واضحاً للعالم بأسره ان حلف المقاومة الإقليمي اشتدّ ساعده وحلفاء أميركا ازداد إحباطهم ويأسهم مع نمو مطرد في حركة العداء للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط.

ما يضع الانتشار الأميركي التاريخي في الشرق الأوسط امام اهتزاز بنيويّ غير مسبوق، وللمرة الاولى منذ تموضعهم فيه في 1945.

فهذا تحوّل جديد يقف فيه حلف مقاومة متماسك وواسع الرقعة جغرافياً مع تأييد سياسي في أوساط معظم المعارضات في بلدان العالم الإسلامي.

لذلك فإن حلف المقاومة يزداد قوة رافعاً شعار تحرير كامل فلسطين وشرق الفرات والغرب السوريين وطرد القواعد الأميركية المنتشرة على طول الحدود السورية العراقية وتدمير حركة الحصار على إيران.

وبذلك يتحرّر كامل الشرق الأوسط من دون قتال ويهرب الأميركيون من قواعدهم في الكويت والسعودية والبحرين والإمارات وقطر وعمان، وسط تصاعد خلافات أميركيةتركية قد يؤدي الى إقفال القواعد الأميركيّة في تركيا.هذا ليس سيناريو خيالياً، انه بداية الطريق لتحرير الخط السوري – العراقي الذي يستطيع منفرداً دبّ الذعر في بلدان الشرق العربي المتحالفة مع الأميركيين والإسرائيليين، لذلك فإن الدرب الى طرد الأميركيين طويل وشاق وعسير، لكنه وبكل تأكيد، بدأ بإنجاز مهامه انطلاقاً من سورية وحزب الله والعراق. وهذا ليس حلماً. إنه الحقيقة التي يترقّبها العرب في كل مناطقهم ودولهم.