اغتيال سليماني والفخّ الأميركي المتدحرج: إما الردّ.. أو الردّ!

دعكُم من العواطفِ أياً كانَ نوعها، لأننا كسوريين ومع قوافلِ الشهداء التي قدمناها اعتدنا بأنه في الحربِ لا بُكاء، وفي المعارِك لا رثَاء، وقبلَ الثأر لا حِداد، فكيف والحرب هذهِ المرة حملَت لنا حدثاً كاغتيال شخصيةٍ عسكريةٍ بحجمِ قائدِ فيلق القدس قاسم سليماني؟
رُفعَت الرايات الحُمر طلباً للثأر، وحدهُ مَن رفَعها يعرِفُ متى وكيفَ سينزلها، باختصارٍ شئتَ أم أبيت أحببتَ الرجل أم لم تحبه عليكَ أن تتعاطى بواقعيةٍ مطلقة مع حدثٍ بهذا الحجم، واقعية ليست مرتبطة فقط بكارثيةِ الحدث بل بالقدرة على تفكيكِه، تفكيك يبدو مرتبطاً بأربع أسئلةٍ أساسية:
أولاً: ماذا عن التوقيت؟
قد لا نذيعُ سرَّاً إن قُلنا إن الأميركيين في السابق لو أرادوا اغتيالَ سليماني لفعلوا، فهوَ لم يكن من النوع الذي يكترِث لمواكبَ أمنيةٍ فارهة، ولعلَ وصولهُ إلى العراق بهذه الطريقة خيرَ مثالٍ على ذلك، هذا دون إغفال وجوده شبه الدائمِ في العراق تحديداً خلالَ معارك الحشد الشعبي ضد تنظيمِ داعش بعلمِ الولايات المتحدة.
النقطة الثانية مرتبطة بالأهدافِ الأميركية في إيران والتي تأتي في قمةِ أولوياتها إسقاط النظام وهو ما سعت إليهِ أكثرَ من مرة مهما حاولَ الرئيس الأميركي نفيَ ذلك، كان آخرها قبلَ أمس عندما بررَ عمليةَ الاغتيال بسعي أميركي لتبديل السلوك العدواني لإيران لا النظام فيها، لكن اغتيالَ سليماني لا يأتي حقيقةً ضمنَ هذا السياق ولا يمكنه أن يزعزعَ ركائز النظام القائم في إيران، بل على العكس فالاغتيال بدا كمن يمنح المحافظينَ في إيران فرصة لتسجيلِ النقاط على الإصلاحيين.
النقطة الأخيرة وهو ما يدركهُ الأميركي بأن سياسةَ اغتيال «الأعداء» أو حتى موتهم الطبيعي، لن ينجحا أبداً بطي الفكرة التي ماتوا وهم يدافعونَ عنها والأمثلة لا تعد ولا تحصى، فمثلاً رحل حافظ الأسد فهل تمكنوا من قتلِ روح المقاومة لدى أغلبية الشعب السوري؟ هذا يعني ببساطة أن توقيت الاغتيال أبعدَ ما يكون عن تصفيةِ حساباتٍ أميركية إيرانية مباشرة، الأقرب بأنها نوعٌ من انعكاسِ الخلافاتِ الداخلية الأميركية لا أكثر ولا أقل، نوعٌ من الهروب عبرَ المكتسبات أرادَ ترامب تحقيقه، فمن منحَ «إسرائيل» القدس والجولان، قادر ببساطة أن يكسبَ النقاط على خصومهِ بالسعي لهذهِ التصفية.
ثانياً: صراع في العِراق أم على العِراق؟
هنا قد نبدو مضطرين بدايةً لتذكرِ مسلمتين أساسيتين، الأولى أن أميركا هي من قدَّمت العراق لإيران وليسَ العكس، خلصتهم من النظام السابق مع علمها الكامل بأن لإيران، حلفاء أو أتباع، سموهم ما تشاؤون، سيكونونَ ذراعَها الضاربة في العملية السياسية وهو ما حصل. الثانية هي عدم الاستسلام لفرضيةِ أن إصرار الأميركي على الوجود في العراق بسببِ تحويل هذا البلد إلى قاعدة متقدمةٍ للتجسس على إيران، فالولايات المتحدة موجودة تقريباً في أغلبية الدول المحيطة بإيران، أليسَ من الممكن اعتبار هذه الدول قواعدَ متقدمة؟ ربما هي أسوأ من ذلك لكن ما لم يوجد في تلك الدول ووجد في العراق هي صراعات من نوعٍ آخر تستطيع الولايات المتحدة أن تغذيها، مثل صراع المرجعيات، صراع الأحزاب المذهبية مع البعثيين السابقين ومن أصدرَ حكم إعدامهم.. الخ، على هذا الأساس قد نبدو أمام خلاصةٍ مهمة:
هناك نوعٌ من التعايش كان يحكم العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران في العراق لكون كلا الطرفين مستفيد من حالةِ الفوضى تلك، على هذا الأساس مرّرت الولايات المتحدة فكرة تشكيلِ «الحشد الشعبي»، رغمَ علمها بأنه سيكون ذراعاً إيرانية، وقتها كان هناك إدارة الرئيس باراك أوباما، والذي تغيَّر اليوم أن الرئيس دونالد ترامب بدا بأنه لن يقبلَ بأي نوعٍ من هذا التعايش، هو لم يقبل بالاتفاق النووي فكيف لهُ أن يقبل بتعايشٍ صوري لا معنى لهُ ليتحولَ الصراع اليوم على العراق.
حاولت الإدارة الأميركية بدايةً ركوبِ موجةِ المظاهرات والاحتجاجات وتقديمها كأنها ضد إيران فحسب، وعندما فشلَ هذا الخيار لجؤوا للاستدراج التدريجي فكيف ذلك؟
عندما تمّ قُصف شركة أرامكو في السعودية كانَ هناك سؤال منطقي تجاهلهُ الجميع: ما الذي يضمن أن اليمنيين هم من استهدفوها؟ حتى تبنيهم للحدث بدا ساذجاً سواء كانوا هم أم لا مع أن كل الشكوك تذهب نحو الخيار الثاني، وبمعنى آخر إما أن الأميركيين تجاهلوا إسقاط الصواريخ قبل وصولها أو إنهم قاموا بقصفٍ متزامنٍ أشد قسوة، وفي الحالتين كان الهدف الاستثمار بالحدث واستنساخهِ لما هو أهم.
مطلعَ الأسبوع الماضي قالت الولايات المتحدة إن إحدى قواعدها تعرضت للقصف، كان همّ المحللين الأميركيين كيف يربطون هذا القصف بسيناريو أرامكو للقول بأن السلاح واحد، على هذا الأساس طارَ وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى القاعدة وبدأ من هناك الوعدَ والوعيد من دون أن يكون هناك أي تبنٍ لأي طرف للحادث أو حتى تأكيدَ حدوثه، ليبدأ الأميركي عملياً سياسة التصفية لـ«الحشد الشعبي» وعلى جميعِ المستويات، هذا الانفلات الأميركي يقودنا لسيناريو من اثنين: إما أن عدد قتلى الأميركيين كان أضعافاً مضاعفة لما جرى الاعتراف بهِ، وهو سيناريو مستبعد لأن إنجازاً كهذا يحتاج إلى صواريخ من النوع الفتاك وليس قذائف، أو إن الأميركيين كرروا السيناريو ذاته من أجل ضرب «الحشد الشعبي» كخطوةٍ أولى لتعويم سياسة الحرب على العراق، و كانَ لهم فعلياً ما أرادوا.
ثالثاً: هل تكون غلطة الشاطر.. بألف؟
كان الرد المُنتظر من العراقيين للثأرِ لدماءِ شهداء «الحشد الشعبي» هو قيام الحشد بعمليةٍ ما ضد القوات الأميركية، لكنهم اختاروا التظاهر حتى الوصول إلى تطويقِ السفارة الأميركية في بغداد. واقعياً بدا هذا الخيار هو الأصح ليسَ ذلك فحسب بل إنَّ العديد من وسائلِ الإعلام الغربية نقلت الحدث دون تمكنها من تشويهه، فلا يمكن لأحد أن يمنعَ شعباً غاضباً لاستشهادِ أبنائهِ من فعلِ ما يريد، فكيفَ إن كانوا متظاهرينَ سلميين؟ كان من المفترض لهذا الحدث أن يتابع حتى الوصول إلى أهدافهِ بما فيها إلغاء الاتفاقية الموقعة بين الولايات المتحدة والعراق والتي تتيح للأميركيين نصب قواعدَ عسكرية في العراق، بل إن خياراً كهذا كان قادراً أن يضع الكرة وقتها في الملعب الأميركي، لكن ما جرى هو العكس تحديداً بعدَ إعلان الرئيس الأميركي تحميلَ إيران مسؤوليةَ ما يجري في محيطِ السفارة، بعدها بساعاتٍ جرى سحب المتظاهرين ولعل السؤال المنطقي هنا: من الذي طلب سحبهم؟
هذا الانسحاب وما نقلهُ مراسل إحدى القنوات الإخبارية في طهران ولم تنفهِ السلطات الإيرانية بأن سبب وصول سليماني إلى العراق هو مهمة رسمية للسعي نحو التهدئة بما يتعلق بقضية شهداء «الحشد الشعبي»، أعطى الأميركيين شعوراً قوياً بفرطِ القوة، شعور بأنه مهما ذهبوا بعيداً في جرائمهم فلن يكون هناكَ أي رد، فكان الاغتيال، ولعلَ أسوأ ما في هذا الاغتيال أنه فعلياً نقلَ الكرة إلى الملعب الإيراني لنصلَ للسؤال الأخير: ما هي الخيارات المتاحة؟
هنا علينا ألا نتعاطى بتشنجٍ مع ما يردُ من كلماتٍ، فجميع المناوئين للسياسات الأميركية، قولاً وفعلاً، فقدوا فرصة تاريخية لإخراجِ الأميركي سلماً من المنطقة أو من العراق على الأقل، اليوم نبدو أمام الفرصة ذاتها، بل بواقعيةٍ أكثر هي الفرصة ذاتها التي ضاعت في انتصارِ العام 2006، هل كان يومها خيار الحرب الشاملة هو الأسلم؟
لن نعودَ إلى الماضي، لكننا ببساطةٍ علينا النظر إلى المستقبل والاستثمار بهذا الحادث حتى آخرِ رمق، مع التأكيد هنا بأن تكرارَ عباراتٍ قد مللناها من قبيلِ «حائك السجاد يأخذُ وقتاً» أو «الاحتفاظ بحق الرد» أو حتى الكلام الذي يقال عن الدعوة لمحاكمة أميركا في المحافل الدولية هو هروب للأمام لا أكثر.
بالأمس قال ترامب إن إيران لم تربح حرباً لكنها لم تخسر مفاوضات، منطقياً فعدا الحرب العراقية الإيرانية فإن إيران لم تخض أي حرب، أما كلام ترامب عن المفاوضاتِ فيبدو أشبهَ بالتنويمِ المغناطيسي الذي سيبدؤه بما يمتلك من وسطاء، تحديداً أن ترامب شخصياً بات مقتنعاً بأنه الرابح أياً كانت النتيجة، إن وقعت الحرب فسيعني اتحادَ الأميركيين خلفه وإن لم تقع فهو سجلَ الكثير من النقاط في العقلية الأميركية لتجعله يكتسح الانتخابات القادمة، على هذا الأساس فإن المطلوب هو رد واضح وصريح أياً كانت التبعات، لأن تبعات عدم الرد أسوأ بكثيرٍ من تبعات الردِّ، بل هناكَ ما هو أسوأ من ذلك يرتبط بالمدّ الشعبي الذي يرى أنه دفعَ أثماناً كبيرة للدفاعِ عن خياراتِ المحور، واليوم هناك مواجهة مباشرة بين الأميركي والإيراني بعدَ أن كانت وتحديداً في العشرية الماضية مواجهة على أراضي الغير، وساحات الصراع التي تمثلها هذهِ الشعوب تبدو مغلقة لأن تكون صندوق ردودٍ لأنهُ سيكون ردّ الضعفاء، لنصلَ إلى ثابتة أساسية: إما الرد أو الرد! وإلا فإن إعادةَ ترتيب الخيارات والأولويات باتَت مطلباً شعبياً، فأميركا كما نعيد ونكرر.. لا تسقط ولا تخرج بالصراخ.