ماذا يريد الأميركيون من اغتيال الشهيدين سليماني والمهندس؟

يعرف الأميركيون ان اغتيالهم للقائدين قاسم سليماني قائد فيلق فلسطين الإيراني وابو مهدي المهندس قائد الحشد العراقي هو حدث معنوي لا يؤثر على أوضاع المقاومة لا في بلديهما ولا على مستوى المنطقة.

كما أنهم مدركون ان قصف موقع لكتائب حزب الله العراقي في منطقة القائم عند الحدود العراقية السورية لن يقفل الطريق بين بغداد ودمشق. فماذا يريدون اذاً؟

بداية يجب التنبه الى ان الوضع الأميركي العام في الشرق الاوسط لم يعد كما كان قبل أقل من عقد فقط، بدليل أنه مأزوم في سورية وضعيف في لبنان ومتراجع في اليمن والعراق وفعل المستحيل لتدمير إيران وفشل فشلاً ذريعاً حتى أن ماليزيا المملكة المتواضعة تحاول الخروج من هيمنته ببناء تحالفات جديدة مع إيران وتركيا. وهذه الأخيرة لديها علاقات مضطربة مع السياسات الأميركية.

بذلك يمكن الجزم بأن العصر الأميركي في الشرق الاوسط يتّجه بسرعة لمزيد من الاضمحلال.

هذه الأوضاع السيئة أدت الى ما يشبه الانتفاضة في البلدان المعتمدة على الحماية الأميركية. فالخليج أخذت دوله تتجه نحو أوروبا وروسيا وأخيراً «اسرائيل» لبناء تحالفات تصون ملكياتها الاوتوقراطية المتخلفة من مخاطر استيقاظ شعوبها وحركة الخارج المسرعة لاحتوائها.

و»اسرائيل» نفسها متململة من عجز الأميركيين عن الحسم في سورية. ومن دون هؤلاء، ماذا يتبقى للجيوبوليتيك الأميركي في مناطق الكنوز الدفينة من الغاز والنفط، والقدرة على شراء كل انواع السلاح لمجرد دعم الصناعات الغربية؟

هذه الأمور تتقاطع مع تطور بديل شرق اوسطي نوعي لا ينفك يصعد في سماء المنطقة. وهو بالطبع حلف المقاومة الذي يكاد يحقق استقلال محور كبير يربط سورية بروسيا عبر العراق وإيران، ويطل على البحر الأحمر من سواحل اليمن الغربية. وهذا الحلف له أفقٌ صيني واعد كما تبدى في المناورات البحرية الضخمة التي جمعت روسيا وإيران والصين لأيام متتالية عدة في بحر عمان والمحيط الهندي.

لقد تفتق العقل الأميركي عن خطط جديدة لمعالجة تفوق حلف المقاومة، واعتقدوا ان عجزهم عن تدمير هذا الحلف عبر المواجهات المباشرة في محاوره الاساسية، يدفع بهم الى قطع طرقاته لتعطيل وظائفه الاساسية، ومنها الربط بين سورية والعراق، لان هذا الربط يؤدي الى ولادة معادلة سياسية ضخمة بين 60 مليون نسمة في قلب الشرق العربي تجمع بين البحر المتوسط والخليج وله حدود واسعة مع شبه الجزيرة العربية عند الحدود السعودية.

لذلك اختار الأميركيون خلق مناخ من التوترات العسكرية بين قواتها المحتلة للعراق وبين الركن الأساسي لحلف المقاومة فيه وهو الحشد الشعبي، واختاروا قصف مركز لحزب الله العراقي المنتمي الى الحشد الشعبي، ذاهبين الى اغتيال قائدين كبيرين للمقاومة هما سليماني والمهندس.

بذلك يوفرون اندلاع اعمال توتر كبيرة في العراق بغياب رئيس جمهوريته المعتكف في كردستان ورئيس حكومته المستقيل عبد المهدي ورئيس مجلس النواب الحلبوسي الرمادي اللون. وهذا يعني غياب دولة عراقية دستورية تستطيع أخذ موقف رسمي من الاعتداءات الأميركية على العراق.

قد تصدر بيانات استنكار من هؤلاء الرؤساء إنما لا يمكن اعتبارها الا مجرد مواقف شخصية لا ترتقي إلى مستوى القرار الدستوري. وهذا من شأنه التهرب من استصدار قرار رسمي باعتبار القوات الأميركية قوات محتلة اعتدت على أهداف عراقية من دون موافقة مسبقة من حكومة بغداد.

كما أن هذه الاوضاع المتفلتة تسمح مجدداً للقوى العراقية المهزومة والمدعومة من الخليج وتركيا والقوات الأميركية بالعودة الى رفع صوتها لمهاجمة الحشد الشعبي ورفض التعامل مع الهجمات الأميركية بعقلية وحدة وطنية عراقية، مع الدفع باتجاه دعم أميركي لتقسيم عميق للعراق على مستوى كانتونات مستقلة بالحد الأقصى او مستقلة تماماً. فالمهم بالنسبة للأميركيين هنا هو استحداث كيان عراقي مستقل يبدأ من الحدود السعودية على طول حدود سورية وصولاً الى كردستان، وهذا يشكل كانتوناً حاجزاً يعرقل الترابط بين حلف المقاومة جغرافياً وبالتالي سياسياً وأمنياً واقتصادياً.

لتحقيق هذه الامنية الأميركية، فإنها تستلزم تحريض التنظيمات الارهابية من جديد وتوفير مساحات واسعة لحركتها في مناطق الحدود السورية فتعاود نشر ثقافتها المعادية لإيران في الأوساط الشعبية وتؤثر ايضاً على بعض الفئات السورية في المناطق الحدودية في محيط دير الزور وأريافه.

قد يرى البعض أن هذا السيناريو من شأنه إخراج مناطق النفط العراقي في الجنوب من الهيمنة الأميركية، لكن أرباحها أكبر بكل تأكيد، فإن خرج الجنوب وبعض العاصمة ونواحيها من النفوذ الأميركي، فإن هذه المناطق ليست ضمن النفوذ الأميركي حالياً، وهي متحالفة مع إيران منذ الآن، لذلك يرى الأميركيون أرباحهم الاستراتيجية من تدمير العراق الى مناطق مستقلة اكبر من خسارتهم كميات من النفط هي حالياً ليست لهم، يكفي ان أرباحهم قد تؤدي الى اطالة مكوثهم في الشرق الاوسط  وحماية كنوزهم من الطاقة في شبه جزيرة العرب وتعطيل الصعود الروسي في المنطقة وعرقلة التمدد الاقتصادي الصيني.

هذا ما يريده الأميركيون من خطة توتير الاوضاع مع حلف المقاومة في كامل مناطقه الإيرانية والعراقية والسورية واليمنية وربما اللبنانية.

فما هو رد حلف المقاومة؟لن يتيح الحلف للأميركيين الفرصة بإشعال حروب أهلية داخلية على القواعد المذهبية، وما يحدث في لبنان هو الدليل على رفض حزب الله للعبة التوريط الأميركية عبر اطراف لبنانية، وكذلك فإن العراق المقاوم متجه الى اعلان الأميركيين قوات محتلة للعراق وحصر الرد العسكري الجهادي عليها، مع الإصرار على عراقية كل مكونات العراق والسعي الحثيث الى مشروع مشترك يعيد لأرض الرافدين دورها في الربط بين مشروع معادلة لن تبقي على الأميركيين في الشرق الاوسط.