موسيقانا العربية :تجديد من الداخل أم استعارة من الخارج ؟

الأحد, ديسمبر 29, 2019 - 1:00pm

إنه السؤال الهم، الذي تم تحبير الكثير من الدراسات والبحوث،حوله، لمفكرين وعلماء على مدار الأزمنة المعاصرة، وهذا يعني فيما يعنيه، بقاء الصراعات الايديولوجية محتدمة، من دون نتائج قيّمة تضع هذا الفن ضمن مساره الابداعي المنشود، حيث تفهم البعض من الموسيقيين العرب، هذه الأسئلة الملحاحة، على كونها ترف عابر، لايقدم ولايؤخر في هذا المسير المنشود.
-هؤلاء لم يتفهموا جيدا ويدركوا حجم الخسارة والفجيعة، التي لحقت بموسيقانا العربية نتيجة هذه الحروب الدونكيشوتية المريرة الأقرب الى التراجيديا والكوميديا معا، فماذا تعني هذه الصراعات في النهاية، إن لم تتوصل الى حقائق معرفية وثقافية راسخة، تنتشل هذا الفن من واقعه المأزوم هذا، بسبب تفهم هذا الموسيقي أو ذاك، جوهر ومآل الحداثة والتجديد المعرفي العقلاني، بشكل خاطئ والخلط بينه وبين حداثة العولمة، من دون وعي معرفي بمآرب هذه المنظومة التي تريد فرض ثقافتها الوحيدة وهيمنتها على الجميع، بماتملكه وتتملكه من وسائل ضغط، انتاجيا واعلاميا، بشكل فيه الكثير من التعسف والفوقية والإكراه. خاصة في تلك الموسيقات التي لم تقرأ جيدا في مرامي وأقنعة هذه المنظومة المؤدلجة، وهذا في حقيقة الأمر، مانبه أليه مراراً وتكرارا، العديد من المفكرين والفلاسفة، حتى في الغرب نفسه الذي تأثر بدوره، بتبعات هذه الثقافة اليتيمة، التي ينحى أغلب منتوجها نحو الاستهلاك والبُعد التجاري الذي يكرس القطيعة المعرفية مع الأجيال، في مؤامرة باتت مكشوفة للجميع على مكتسبات وخصائص الهويات الموسيقية الوطنية التي تأثرت كثيرا من عمليات هذا الغزو الثقافي القديم المتجدد، والذي ألقى بظلاله من دون ادنى شك على، خيارات الموسيقي العربي، ومدى استيعابه لجدوى الحداثة في المشهد الموسيقي المعاصر، وهذا يعني فيما يعنيه عدم امتلاكه الأدوات والوعي المعرفي في خلق حالة من الابداع تحدث توازنا ذو شأن مع المنتوج التجاري الذي يسود ويتسيد هذا المشهد بكل تفاصيله وتبعاته. إذاً، يبقى السؤال معلقاً من دون أجوبة مقنعة، حول مفهوم وجوهر التجديد في موسيقانا العربية المعاصرة، أيكون ذلك عبر التجديد من الداخل مما هو منجز وتام، أم يكون بالتخلي عن هذا الميراث الروحي العظيم، والاستعاضة عنه بالاستعارة من الخارج. علماً وأدوات وطرق كتابة وممارسة، وهذا في حقيقة الأمر ماناقشه على مدار الأعوام المنصرمة، الكثير من البحاثة العرب وحكماء هذا الفن النبيل وتوصلوا بعد مناقشات ودراسات معمقة، الى ضرورة الأخذ بأسباب الحداثة انطلاقاً من الداخل، من الهوية الموسيقية الوطنية. بحيث يؤدي هذا التجديد المعرفي، الى تخصيب وإثراء عناصر الابداع في هذه الهوية، التي تمتلك كماهو معلوم تقاليد موسيقية عظيمة وراسخة في الذاكرة الجمعية العربية، وهذا بالفعل ما اشتغل عليه جيل الرواد المؤسسين بدايات ومنتصف القرن الماضي، ليكتبوا أعمالاً موسيقية مهمة وكبيرة بكل المقاييس النقدية والذوقية، بفضل امتلاكهم هذا الوعي المعرفي بجوهر ومسرى التجديد والحداثة الكلاسيكية بمعناها الابداعي لا الزمني. من هنا لابد من القول لهذا الموسيقي العربي من منطلق المحبة والتقدير، أن الاندماج الأعمى في موكب العولمة وثقافتها الاستهلاكية، لايمكن بأي حال من الأحوال، ان يقود الى تخصيب وتجديد بنية هذا الفن الأصيل، والتجربة الموسيقية المعاصرة تثبت هذا الرأي والمسار، فهناك فرق كبير وواضح، بين إعادة البناء على أسس علمية ومعرفية، وبين إعادة طلاء خلبية، سرعان ماتمحوها شمس الحقيقة، لأنها تعتمد على الآخر المغاير المختلف، بتقاليده وأنماطه الخاصة وذائقته المختلفة كلياً، عن المزاج والروح العربية، وهذا مايحدث بطبيعة الحال في أغلب موسيقات الشعوب، فهل يقرأ هذا الموسيقي، في تجاربها وإرثها الابداعي، ليعثر على الأجوبة الضرورية التي ستساعده من دون أدنى شك، على المسير الابداعي المنشود انطلاقاً من تربة وجذور هذا الفن، أم سيبقى يكتب موسيقاه إرضاءً لهذا الآخر ولذائقته، والتصاغر في حضرته، بشكل فيه جحود وإنكار لتاريخه وهويته وميراثه الروحي والوجداني، والأهم من كل ذلك، إثبات شخصيته وكيانه وحضوره في مسرى الثقافة العالمية، كموسيقي عربي ينتمي الى ثقافة وحضارة وموسيقى أصيلة، تمتلك إرثاً ابداعياً عظيماً،ترك بصمته وسعة حضوره في ذاكرة الفن المعاصر بكل ماتحمل الكلمة من معانٍ ودلالات؟؟؟