ديفيد هيل في بيروت: دعوهم يحكموا!

مطلعَ العام 2011، دخل سعد الحريري البيتَ الأبيض للقاءِ الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما كرئيسٍ لوزراءِ لبنان، وخرجَ منه مقالاً بعد استقالةِ أكثر من نصفِ أعضاء الحكومة المحسوبين على ما كان يُسمى بقوى الثامن من آذار، يومَها قامت هذه القوى بتسميةِ نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة مع رفعِ السقوف حول الهدف من إقالة الحريري، من فتحِ ملفاتِ الفساد وصولاً إلى محاسبة شهود الزور في قضيةِ مقتل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري لكنها شعارات لم يتحقق منها شيء، حتى من كانوا يحرِّضونَ ضد سورية عبر الدعوة للجهادِ فيها، وبعضهم قُتلَ فعلياً هناك فيما بعد وهو يحاربُ تحتَ رايةِ التنظيمات المتطرفة، لم يَسمح التباين الحاصل بين الميقاتي ومن تحالفوا معه باعتقالهم أو حتى تقديمهم إلى المحاكمة، لتتحولَ الحكومة نظرياً إلى حكومةِ تصريفٍ للأعمال.
ربما ما يُجبرنا اليوم على استذكارِ هذا «السيناريو الفاشل»، هو ما حدثَ فعلياً من نجاحٍ لذات القوى تقريباً بتسميةِ وزير التربية السابق حسان دياب كرئيسِ وزراءٍ مكلّف بتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، ليصبحَ السؤال المنطقي هنا: ما هي فُرص نجاح حكومة كهذه ؟
للإجابةِ عن هذا السؤال لابُد من التعاطي مع الاختلافِ بين الظرف الحالي الذي يمر بهِ لبنان والمنطقة عن سابقهِ والذي قد يتجلى بالنقاطِ التالية:
أولاً: سعد الحريري اليوم سقط بقوةِ الشارع وليسَ نتيجة للتجاذباتِ السياسية.
مبدئياً من الضروري أن نوضِّح فكرةَ أن سقوط الحريري في الشارع ليسَ ناتجاً عن امتلاكهِ القرار الحر للإصغاء إلى أصوات المحتجين، لكنهُ ببساطةٍ استجابَ لفكرةٍ سبقهُ إليها حلفاؤه في اليمين المسيحي المتطرف وما يسمى بالحزبِ الاشتراكي، أي الالتفاف على الحراك ومصادرتهِ عبر التبرؤ غير المباشر من السلطة الفاسدة بإعلان الاستقالة.
هذا التكتيك الذي بدا رسالة خارجية أظهرَ سعد الحريري عاجزاً وجاهلاً في حيثيات السياسة اللبنانية، إذ كيفَ لهُ أن يشترطَ عودتهُ إلى الحكومة بترؤسهِ حكومة تكنوقراط غير سياسية؟ هذا تناقضٌ فاضح. لكن بذاتِ الوقت فإن الحريري بدا كمن تورطَ بهذهِ الاستقالة ولم يعُد يعرِف طريق العودة، حتى فكرة اللجوء إلى دارِ الفتوى لاستصدارِ غطاءٍ مذهبي يبقيه الخيار الوحيد بدا كنكتةٍ سمجة، فالدستور اللبناني وإن كانَ يفرض المذهبية في الرئاساتِ الثلاث، لكنهُ لا يعطي أي دورٍ لأي مرجعيةٍ دينيةٍ بالتحفظ على هذا أو تبني ذاك. أما القشة التي قسمت ظهر البعير فهي تبدو بالموقف السعودي من سعد الحريري نفسه، فمن الواضح أن ولي العهد محمد بن سلمان كانَ ولا يزال يتعاطى معه كتابعٍ ضعيف يجب التخلصَ منه، وعمليةَ استبدالهِ لم تكن بحاجةٍ لما يُحكى اليوم عن الإيعاز لليمين المسيحي المتطرف الموالي للسعودية برفضهِ، لكنَ المشكلة بدَت بالبديل، فالفكرة تم طرحها منذُ الصيف الماضي عندَ استقبال السعودية لرؤساء الوزراء السابقين فؤاد السنيورة وتمام سلام ونجيب ميقاتي، لكن هناكَ من أقنعَ السعوديين بأن حزب اللـه وحلفاءه الذينَ يمتلكون الأغلبية النيابية لن يقبلوا بعودةِ من تم تجريبهم سابقاً، فكان الانكفاء، هذا يعني أن الحزب وحلفاءه سعوا حتى اللحظات الأخيرة لمدِّ يد العون للحريري لكنهُ كان يرفض الهدية تلوَ الأخرى.
ثانياً: الوضع في سورية:
دائماً ما كُنا نرى ما يجري في سورية كمؤشرٍ لما يجري في المنطقةِ، بل والعالم، على هذا الأساس لا يمكِن بأي حالٍ من الأحوال فصلَ جرعات القوة التي يتخذها حلفاء سورية في لبنان، دونَ النظر إلى تبدلِ الحال في الداخلِ السوري.
ربما علينا أن نعترف أن ثمنَ إسقاط حكومة الحريري في العام 2011 وحدها سورية من دفعته دماراً وتخريباً دون إثبات أنها من كانت تقف وراء إسقاطها، تحديداً أن هناكَ من لا يزال يتعاطى مع هذا الحدث كإحدى أكبر الإهانات التي وُجهت إلى أوباما والسياسة السعودية في المنطقة، لتشتعِل بعدها بأشهر الأوضاع في سورية وتستمر حتى يومنا هذا.
اليوم تبدو الخطوة التي اتخذتها الأغلبية النيابية في لبنان بتسميةِ رئيس وزراء بأغلبيةٍ ضئيلة أشبهَ بمن يستند لعمقٍ إستراتيجي كادَ يفتقده وبمعنى آخر: حتى حلفاء سورية في لبنان ما كانوا ليجرؤوا على هذهِ الخطوة لولا الاستناد لتحسنِ الوضع في سورية، هل كانوا سيجرؤون عليها في الأعوام 2014 أو 2015 حيث كان شركاؤهم في لبنان يهلِّلون ليل نهار بأسطوانة «أيام النظام معدودة»! أو بعدَ استقالة حكومة نجيب ميقاتي في العام 2013 حيث كان أوباما يهدِّد بقصفِ سورية والتنظيمات الإرهابية ترفع شعار «على بعد كيلو مترات من القصر الجمهوري»، أما اليوم فالجيش العربي السوري والقوات الرديفة باتت على بعدِ كيلومتراتٍ من عمق مدينةِ إدلب، والأهم أن سورية اليوم تبدو متحررة من أي التزامٍ كما في السابق مع المملكة العربية السعودية لجهةِ ضمان التوازنات السياسية في لبنان، تحديداً أن الجانب السوري لم يهدِّد يوماً بتحويل لبنان إلى ساحةِ تصفيةِ حساباتٍ على العكس فهو كان ولا يزال يرفع ذات الشعار: نحن مع ما يقررهُ اللبنانيون.
ثالثاً: الاستثمار في ايجابيات الحراك:
ربما لا أحد يستطيع أن يُنكر فرضيةَ المفاجأة من اتفاق القوى المتحالفة مع حزب اللـه على اسم وزير التربية السابق حسان دياب، فالرجل شبهَ مغمورٍ من الناحيةِ السياسية، ولعلَ تفضيله على أسماءَ لها ثقلها الشعبي أو العائلي كأسامة سعد ينبع من فرضية الإصغاء لمطالبِ الحراك بإبعاد الوجوه السياسية عن الحكومة بما فيها رئاسة الوزراء، والاكتفاءَ بوزراءِ تكنوقراط لا خلفية حزبية لهم، هنا قد نبدو وكأننا أمام أحد خيارين:
إن فشلت هذهِ القوى وخسرت معركةَ التشكيل، عندها ستكون قد خسرت فرصة هامة لتحقيقِ انجازٍ سياسي يستند لفرضية لبنان خارج التجاذبات الإقليمية والدولية، أما إن كسبت معركةَ التشكيل فلن يكون الأمر بالنسبةِ لها مجردَ إنجازٍ يستحقون عليه وصفَ «ضربة معلم»، لكنها ببساطةٍ ستكون أكبر اختبارٍ لمدى قدرتها على التماسكِ فيما بينها عند الأزمات، فكثرٌ كانوا يبنون آمالهم على فرضية أن الخلافات العميقة داخل هذا الحلف تحديداً بين حركة أمل والتيار الوطني الحر، وصولاً لكثرة التصريحات «غير المنضبطة» من قبل وزير الخارجية جبران باسيل ستكون من أسباب تفكك هذا التحالف وهو ما لم يحدث حتى الآن.
على هذا الأساس تبدو الظروفَ فعلياً مناسبة لقيام حزب اللـه والحلفاء بإحداث هزة ما في النظام السياسي اللبناني عبر الاستثمار غير المباشر بإيجابيات هذا الحراك، هم أدركوا تماماً أن لا فرقَ بين شعاراتِ «إسقاط النظام» التي دمرت دولاً عربية، وبين التحول غير المدروس في توازنات السياسة اللبنانية، فكان الحل باعتماد التحول التدريجي من النظام الطائفي إلى صيغةٍ أكثر قبولاً لتصبح الكرة في ملعبِ الحراك، تحديداً أن هذه الصيغة بدت في السابقِ مرفوضة بالنسبةِ للمتظاهرين الذين لم يفهموا بعد خطورةَ حدوثِ الفراغ، حتى عندما كان الحراك لا يزال يرفع شعارات منطقية جامعة من بينها إسقاط الصيغة الطائفية التي تحكم الدولة اللبنانية والدعوة لانتخابات حرة على أساسِ المواطَنَة لا الطائفة ومحاسبة الفاسدين، اليوم يبدو الأمر مختلفاً جوهرياً، فالعصبيات الطائفية بدأت تظهر في الشارِع والحراك المذهبي بدا وكأنهُ الملاذ الأخير للمتضررين فماذا ينتظرنا؟
لم تكن زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد هيل قبلَ أمس إلى لبنان هي الوحيدة التي تعكس ما يعانيهِ هذا البلد من تجاذبٍ دولي وإقليمي قد يكون الأخطر، فقبلَ أيام هدَّدَ أحد مستشاري قائد الحرس الثوري الإيراني بمسح إسرائيل عبرَ لبنان إن أقدمت على ارتكابِ حماقةٍ تجاه إيران، هذا الزج غير المفهوم للبنان من قبل القوى المتصارعة في هذا الوقت، قد يفتح الباب على مصراعيهِ لجرعاتٍ من التشاؤم الذي يلف لبنان رغم كل ما تحدثنا عنهُ من إيجابيات، تجاذبات تحيلنا لفرضية عودة لبنان ليتحولَ إلى صندوقِ رسائل، لكن الرسائل هذهِ المرة تبدو من نوعٍ خاص:
هل ستسمح الدول المستفيدة من النظام الطائفي في لبنان بسقوطه؟
بالتأكيد لا، فجميعهم من دون استثناء مستفيدون من هذه التركيبة والجميع لا يريد أن يخسَر هذهِ الورقة حتى لو اتفقَ اللبنانيون على ما هو عكسها، لكن بذات الوقت يبدو الجميع الآن بانتظارِ شكل الحكومة والتخريجة التي سيعتمدها حزب اللـه والحلفاء: هل هي حكومة غير سياسية؟ هنا يدرك الأميركي أن إمكانية عرقلتها بسيطة وسهلة جداً ما لم تتجه ذات الحكومة نحو إصلاح النظام السياسي الطائفي أو إلغائه لتكسب الشارع، أما الاستسلام لحكومة سياسية فنتيجتها واضحة وتسهِّل كثيراً ما جاءَ هيل من أجلهِ وهو طمأنةَ أتباعه بعبارةٍ بسيطة: دعوهم يحكموا.. إن استطاعوا.